💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّه بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْم كَمَثَلِ غَيْث أَصَابَ أَرْضًا , فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَة طَيِّبَة قَبِلَتْ الْمَاء , فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأ وَالْعُشْب الْكَثِير , وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِب أَمْسَكَتْ الْمَاء , فَنَفَعَ اللَّه بِهَا النَّاس , فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا , وَأَصَابَ طَائِفَة مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَان لَا تُمْسِك مَاء , وَلَا تُنْبِت كَلَأ. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِين اللَّه وَنَفَعَهُ اللَّه بِمَا بَعَثَنِي اللَّه بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ , وَمَثَل مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا , وَلَمْ يَقْبَل هُدَى اللَّه الَّذِي أُرْسِلْت بِهِ ). أَمَّا ( الْغَيْث ) فَهُوَ الْمَطَر. وَأَمَّا ( الْعُشْب وَالْكَلَأ وَالْحَشِيش ) فَكُلّهَا أَسْمَاء لِلنَّبَاتِ , لَكِنَّ الْحَشِيش مُخْتَصّ بِالْيَابِسِ , وَالْعُشْب وَالْكَلَأ مَقْصُورًا مُخْتَصَّانِ بِالرَّطْبِ , وَ ( الْكَلَأ ) بِالْهَمْزِ يَقَعُ عَلَى الْيَابِس وَالرَّطْب , وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَابْن فَارِس : الْكَلَأ يَقَعُ عَلَى الْيَابِس , وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا ( الْأَجَادِب ) فَبِالْجِيمِ وَالدَّال الْمُهْمَلَة وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي تُنْبِتُ كَلَأً. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ الْأَرْض الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاء , فَلَا يُسْرِعُ فِيهِ النُّضُوب. قَالَ اِبْن بَطَّال وَصَاحِب الْمَطَالِع وَآخَرُونَ : هُوَ جَمْع جَدْب عَلَى غَيْر قِيَاس كَمَا قَالُوا فِي حَسَن جَمْعه مَحَاسِن , وَالْقِيَاس أَنَّ مَحَاسِن جَمْع مُحْسِن , وَكَذَا قَالُوا مُشَابِه جَمْع شَبَه , وَقِيَاسه أَنْ يَكُونَ جَمْع مُشَبَّه. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَالَ بَعْضهمْ : ( أَحَادِب ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالدَّال. قَالَ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَجَارِد بِالْجِيمِ وَالرَّاء وَالدَّال. قَالَ : وَهُوَ صَحِيحُ الْمَعْنَى إِنْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَة. قَالَ الْأَصْمَعِيّ : الْأَجَارِد مِنْ الْأَرْض مَا لَا يُنْبِتُ الْكَلَأ. مَعْنَاهُ أَنَّهَا جَرْدَاء هَزْرَة لَا يَسْتُرُهَا النَّبَات. قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا هِيَ ( أَخَاذَات ) بِالْخَاءِ وَالذَّال الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالْأَلْفِ , وَهُوَ جَمْع ( أَخَاذَة ) , وَهِيَ الْغَدِير الَّذِي يُمْسِكُ الْمَاء. وَذَكَرَ صَاحِب الْمَطَالِع هَذِهِ الْأَوْجُه الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ , فَجَعَلَهَا رِوَايَات مَنْقُولَة. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الشَّرْح : لَمْ يَرِدْ هَذَا الْحَرْف فِي مُسْلِم , وَلَا فِي غَيْره إِلَّا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة مِنْ الْجَدْب الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخِصْب. قَالَ : وَعَلَيْهِ شَرَحَ الشَّارِحُونَ. وَأَمَّا ( الْقِيعَان ) فَبِكَسْرِ الْقَاف جَمْع الْقَاع , وَهُوَ الْأَرْض الْمُسْتَوِيَة , وَقِيلَ : الْمَلْسَاء , وَقِيلَ : الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا , وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد فِي هَذَا الْحَدِيث كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى ( أَقْوُع وَأَقْوَاع ). وَ ( الْقِيعَة ) بِكَسْرِ الْقَاف بِمَعْنَى الْقَاع , قَالَ الْأَصْمَعِيّ : قَاعَة الدَّار سَاحَتهَا. وَأَمَّا الْفِقْهُ فِي اللُّغَة يُقَالُ مِنْهُ : فَقِهَ - بِكَسْرِ الْقَافِ يَفْقَهُ فِقْهًا بِفَتْحِهَا كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا , وَقِيلَ : الْمَصْدَرُ فِقْهًا بِإِسْكَانِ الْقَاف. وَأَمَّا الْفِقْهُ الشَّرْعِيُّ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمَا : يُقَال مِنْهُ فَقُهَ بِضَمِّ الْقَاف. وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : بِكَسْرِهَا كَالْأَوَّلِ. وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقُهَ فِي دِين اللَّه ) هَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ مَضْمُومَ الْقَاف عَلَى الْمَشْهُور , وَعَلَى قَوْل اِبْن دُرَيْد بِكَسْرِهَا , وَقَدْ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ , وَالْمَشْهُور الضَّمّ. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَة طَيِّبَة قَبِلَتْ الْمَاء ) فَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم : ( طَائِفَة طَيِّبَة ) وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ ( فَكَانَ مِنْهُ نَقِيَّة قَبِلَتْ الْمَاء ) بِنُونٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ قَاف مَكْسُورَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْتُ مُشَدَّدَة , وَهُوَ بِمَعْنَى طَيِّبَة. هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ. وَرَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره ( ثَغْبَة ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ مُسْتَنْقَع الْمَاء فِي الْجِبَال وَالصُّخُور , وَهُوَ الثَّغْب أَيْضًا , وَجَمْعه ثُغْبَان. قَالَ الْقَاضِي وَصَاحِب الْمَطَالِع : هَذِهِ الرِّوَايَة غَلَط مِنْ النَّاقِلِينَ , وَتَصْحِيف وَإِحَالَة لِلْمَعْنَى , لِأَنَّهُ إِنَّمَا جُعِلَتْ هَذِهِ الطَّائِفَة الْأُولَى مَثَلًا لِمَا يَنْبُتُ , وَالثَّغْبَة لَا تُنْبِتُ. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَسَقَوْا ) فَقَالَ أَهْل اللُّغَة : سَقَى وَأَسْقَى بِمَعْنَى لُغَتَانِ , وَقِيلَ : سَقَاهُ نَاوَلَهُ لِيَشْرَب , وَأَسْقَاهُ جَعَلَ لَهُ سَقْيًا. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَعَوْا ) فَهُوَ بِالرَّاءِ مِنْ الرَّعْي. هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم. وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ : ( وَزَرَعُوا ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح. وَاَللَّه أَعْلَم. أَمَّا مَعَانِي الْحَدِيث وَمَقْصُوده فَهُوَ تَمْثِيل الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَيْثِ , وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْض ثَلَاثَة أَنْوَاع , وَكَذَلِكَ النَّاس. فَالنَّوْع الْأَوَّل مِنْ الْأَرْض يَنْتَفِع بِالْمَطَرِ فَيَحْيَى بَعْد أَنْ كَانَ مَيِّتًا , وَيُنْبِتُ الْكَلَأ , فَتَنْتَفِعُ بِهَا النَّاس وَالدَّوَابّ وَالزَّرْع وَغَيْرهَا , وَكَذَا النَّوْع الْأَوَّل مِنْ النَّاس , يَبْلُغُهُ الْهُدَى وَالْعِلْم فَيَحْفَظُهُ فَيَحْيَا قَلْبه , وَيَعْمَلُ بِهِ , وَيُعَلِّمُهُ غَيْره , فَيَنْتَفِعُ وَيَنْفَعُ. وَالنَّوْع الثَّانِي مِنْ الْأَرْض مَا لَا تَقْبَلُ الِانْتِفَاع فِي نَفْسهَا , لَكِنْ فِيهَا فَائِدَة , وَهِيَ إِمْسَاك الْمَاء لِغَيْرِهَا , فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاس وَالدَّوَابّ , وَكَذَا النَّوْع الثَّانِي مِنْ النَّاس , لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة , لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُمْ أَفْهَام ثَاقِبَة , وَلَا رُسُوخَ لَهُمْ فِي الْعَقْل يَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَام , وَلَيْسَ عِنْدهمْ اِجْتِهَادٌ فِي الطَّاعَة وَالْعَمَل بِهِ , فَهُمْ يَحْفَظُونَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبٌ مُحْتَاجٌ مُتَعَطِّشٌ لِمَا عِنْدهمْ مِنْ الْعِلْم , أَهْل لِلنَّفْعِ وَالِانْتِفَاع , فَيَأْخُذهُ مِنْهُمْ , فَيَنْتَفِع بِهِ , فَهَؤُلَاءِ نَفَعُوا بِمَا بَلَغَهُمْ. وَالنَّوْع الثَّالِث مِنْ الْأَرْض السِّبَاخ الَّتِي لَا تُنْبِتُ وَنَحْوهَا , فَهِيَ لَا تَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ , وَلَا تُمْسِكُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا غَيْرهَا , وَكَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ النَّاس , لَيْسَتْ لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة , وَلَا أَفْهَام وَاعِيَة , فَإِذَا سَمِعُوا الْعِلْم لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ , وَلَا يَحْفَظُونَهُ لِنَفْعِ غَيْرهمْ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنْوَاع مِنْ الْعِلْم مِنْهَا ضَرْب الْأَمْثَال , وَمِنْهَا فَضْل الْعِلْم وَالتَّعْلِيم وَشِدَّة الْحَثّ عَلَيْهِمَا , وَذَمّ الْإِعْرَاض عَنْ الْعِلْم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.