💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة : ( لَا عَدْوَى , وَلَا صَفَر وَلَا هَامَة فَقَالَ أَعْرَابِيّ : يَا رَسُول اللَّه فَمَا بَال الْإِبِل تَكُون فِي الرَّمْل كَأَنَّهَا الظِّبَاء , فَيَجِيء الْبَعِير الْأَجْرَب , فَيَدْخُل فِيهَا , فَيُجْرِبُها كُلّهَا ؟ قَالَ : ( فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا عَدْوَى , وَلَا طِيَرَة , وَلَا صَفَر , وَلَا هَامَة ) وَفِي رِوَايَة ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يُحَدِّث بِحَدِيثِ ( لَا عَدْوَى ) وَيُحَدِّث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحّ ) ثُمَّ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِقْتَصَرَ عَلَى رِوَايَة حَدِيث ( لَا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحّ ) وَأَمْسَكَ عَنْ حَدِيث ( لَا عَدْوَى ) فَرَاجِعُوهُ فِيهِ , وَقَالُوا لَهُ : إِنَّا سَمِعْنَاك تُحَدِّثهُ , فَأَبَى أَنْ يَعْتَرِف بِهِ. قَالَ أَبُو سَلَمَة الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة أَوْ نَسَخَ أَحَد الْقَوْلَيْنِ الْآخَر ؟ ) قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء : يَجِب الْجَمْع بَيْن هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ , وَهُمَا صَحِيحَانِ. قَالُوا : وَطَرِيق الْجَمْع أَنَّ حَدِيث ( لَا عَدْوَى ) الْمُرَاد بِهِ نَفْي مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَزْعُمهُ وَتَعْتَقِدهُ أَنَّ الْمَرَض وَالْعَاهَة تَعَدَّى بِطَبْعِهَا لَا بِفِعْلِ اللَّه تَعَالَى. وَأَمَّا حَدِيث ( لَا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحّ ) فَأُرْشِدَ فِيهِ إِلَى مُجَانَبَة مَا يَحْصُل الضَّرَر عِنْده فِي الْعَادَة بِفِعْلِ اللَّه تَعَالَى وَقَدْره. فَنَفَى فِي الْحَدِيث الْأَوَّل الْعَدْوَى بِطَبْعِهَا , وَلَمْ يَنْفِ حُصُول الضَّرَر عِنْد ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّه تَعَالَى وَفِعْله , وَأَرْشَدَ فِي الثَّانِي إِلَى الِاحْتِرَاز مِمَّا يَحْصُل عِنْده الضَّرَر بِفِعْلِ اللَّه وَإِرَادَته وَقَدَره. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَصْحِيح الْحَدِيثَيْنِ وَالْجَمْع بَيْنهمَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء , وَيَتَعَيَّن الْمَصِير إِلَيْهِ. وَلَا يُؤَثِّر نِسْيَان أَبِي هُرَيْرَة لِحَدِيثِ ( وَلَا عَدْوَى ) لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ نِسْيَان الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ لَا يَقْدَح فِي صِحَّته عِنْد جَمَاهِير الْعُلَمَاء , بَلْ يَجِب الْعَمَل بِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظ ثَابِت مِنْ رِوَايَة غَيْر أَبِي هُرَيْرَة ; فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم هَذَا مِنْ رِوَايَة السَّائِب بْن يَزِيد , وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه , وَأَنَس بْن مَالِك , وَابْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَحَكَى الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ حَدِيث ( لَا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحّ ) مَنْسُوخ بِحَدِيثِ ( لَا عَدْوَى ) وَهَذَا غَلَط لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ النَّسْخ يُشْتَرَط فِيهِ تَعَذُّر الْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ , وَلَمْ يَتَعَذَّر , بَلْ قَدْ جَمَعْنَا بَيْنهمَا. وَالثَّانِي أَنَّهُ يُشْتَرَط فِيهِ مَعْرِفَة التَّارِيخ , وَتَأَخُّر النَّاسِخ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا هُنَا. وَقَالَ آخَرُونَ : حَدِيث ( لَا عَدْوَى ) عَلَى ظَاهِره , وَأَمَّا النَّهْي عَنْ إِيرَاد الْمُمْرِض عَلَى الْمُصِحّ فَلَيْسَ لِلْعَدْوَى , بَلْ لِلتَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَة , وَقُبْح صُورَته , وَصُورَة الْمَجْذُوم. وَالصَّوَاب مَا سَبَقَ. وَاللَّه أَعْلَم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا صَفَر ) فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدهمَا الْمُرَاد تَأْخِيرهمْ تَحْرِيم الْمُحَرَّم إِلَى صَفَر , وَهُوَ النَّسِيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ , وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَأَبُو عُبَيْدَة. وَالثَّانِي أَنَّ الصَّفَر دَوَابّ فِي الْبَطْن , وَهِيَ دُود , وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي الْبَطْن دَابَّة تَهِيج عِنْد الْجُوع , وَرُبَّمَا قَتَلَتْ صَاحِبهَا , وَكَانَتْ الْعَرَب تَرَاهَا أَعْدَى مِنْ الْجَرَب , وَهَذَا التَّفْسِير هُوَ الصَّحِيح , وَبِهِ قَالَ مُطَرِّف وَابْن وَهْب وَابْن حَبِيب وَأَبُو عُبَيْد وَخَلَائِق مِنْ الْعُلَمَاء , وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَاوِي الْحَدِيث , فَيَتَعَيَّن اِعْتِمَاده , وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد هَذَا وَالْأَوَّل جَمِيعًا , وَأَنَّ الصَّفَرَيْن جَمِيعًا بَاطِلَانِ , لَا أَصْل لَهُمَا , وَلَا تَصْرِيح عَلَى وَاحِد مِنْهُمَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا هَامَة ) فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْعَرَب تَتَشَاءَم بِالْهَامَةِ , وَهِيَ الطَّائِر الْمَعْرُوف مِنْ طَيْر اللَّيْل وَقِيلَ : هِيَ الْبُومَة. قَالُوا : كَانَتْ إِذَا سَقَطَتْ عَلَى دَار أَحَدهمْ رَآهَا نَاعِيَة لَهُ نَفْسه , أَوْ بَعْض أَهْله , وَهَذَا تَفْسِير مَالِك بْن أَنَس. وَالثَّانِي أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَعْتَقِد أَنَّ عِظَام الْمَيِّت , وَقِيلَ : رُوحه تَنْقَلِب هَامَة تَطِير , وَهَذَا تَفْسِير أَكْثَر الْعُلَمَاء , وَهُوَ الْمَشْهُور. وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد النَّوْعَيْنِ , فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ , فَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْطَال ذَلِكَ , وَضَلَالَة الْجَاهِلِيَّة فِيمَا تَعْتَقِدهُ مِنْ ذَلِكَ. وَ ( الْهَامَة ) بِتَخْفِيفِ الْمِيم عَلَى الْمَشْهُور الَّذِي لَمْ يَذْكُر الْجُمْهُور غَيْره , وَقِيلَ : بِتَشْدِيدِهَا , قَالَهُ جَمَاعَة , وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي زَيْد الْأَنْصَارِيّ الْإِمَام فِي اللُّغَة. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّل ؟ ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَعِير الْأَوَّل الَّذِي جَرِبَ مَنْ أَجْرَبه , أَيْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَتَعْتَرِفُونَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْر مُلَاصَقَة لِبَعِيرٍ أَجْرَب , فَاعْلَمُوا أَنَّ الْبَعِير الثَّانِي وَالثَّالِث وَمَا بَعْدهمَا إِنَّمَا جَرِبَ بِفِعْلِ اللَّه تَعَالَى وَإِرَادَته , لَا بِعَدْوَى تُعْدِي بِطَبْعِهَا , وَلَوْ كَانَ الْجَرَب بِالْعَدْوَى بِالطَّبَائِعِ لَمْ يَجْرَب الْأَوَّل لِعَدَمِ الْمُعْدِي. فَفِي الْحَدِيث بَيَان الدَّلِيل الْقَاطِع لِإِبْطَالِ قَوْلهمْ فِي الْعَدْوَى بِطَبْعِهَا.