💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( فَإِذَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِرْبَد يَسِم غَنَمًا ) قَالَ شُعْبَة : وَأَكْثَر عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ : ( فِي آذَانهَا ) قَوْله : ( الْمِرْبَد ) فَبِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان الرَّاء وَفَتْح الْمُوَحَّدَة , وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي تُحْبَس فِيهِ الْإِبِل , وَهُوَ مِثْل الْحَظِيرَة لِلْغَنَمِ. فَقَوْله هُنَا : ( فِي مِرْبَد ) يُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ الْحَظِيرَة الَّتِي لِلْغَنَمِ , فَأُطْلِق عَلَيْهَا اِسْم الْمِرْبَد مَجَازًا لِمُقَارَبَتِهَا , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره , وَأَنَّهُ أَدْخَلَ الْغَنَم إِلَى مِرْبَد الْإِبِل لِيَسِمهَا فِيهِ. وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ شُعْبَة : وَأَكْثَر عِلْمِي ) رُوِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة , وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة , وَهُمَا صَحِيحَانِ. وَ ( الْمِيسَم ) بِكَسْرِ الْمِيم سَبَقَ بَيَانه فِي الْبَاب قَبْله , وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّ وَسْم الْآدَمِيّ حَرَام , وَأَمَّا غَيْر الْآدَمِيّ فَالْوَسْم فِي وَجْهه مَنْهِيّ عَنْهُ , وَأَمَّا غَيْر الْوَجْه فَمُسْتَحَبّ فِي نَعَم الزَّكَاة وَالْجِزْيَة , وَجَائِز فِي غَيْرهَا , وَإِذَا وُسِمَ فَيُسْتَحَبّ أَنْ يَسِم الْغَنَم فِي آذَانهَا , وَالْإِبِل وَالْبَقَر فِي أُصُول أَفْخَاذهَا لِأَنَّهُ مَوْضِع صُلْب , فَيَقِلّ الْأَلَم فِيهِ , وَيَخِفّ شَعْره , وَيَظْهَر الْوَسْم. وَفَائِدَة الْوَسْم تَمْيِيز الْحَيَوَان بَعْضه مِنْ بَعْض , وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَكْتُب فِي مَاشِيَة الْجِزْيَة , جِزْيَة أَوْ صَغَار , وَفِي مَاشِيَة الزَّكَاة زَكَاة أَوْ صَدَقَة. قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه : يُسْتَحَبّ كَوْن مِيسَم الْغَنَم أَلْطَف مِنْ مِيسَم الْبَقَر , وَمِيسَم الْبَقَر أَلْطَف مِنْ مِيسَم الْإِبِل , وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ اِسْتِحْبَاب وَسْم نَعَم الزَّكَاة وَالْجِزْيَة هُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الصَّحَابَة كُلّهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء بَعْدهمْ. وَنَقَلَ اِبْن الصَّبَّاغ وَغَيْره إِجْمَاع الصَّحَابَة عَلَيْهِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : هُوَ مَكْرُوه لِأَنَّهُ تَعْذِيب وَمُثْلَة , وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الْمُثْلَة. وَحُجَّة الْجُمْهُور هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم , وَآثَار كَثِيرَة عَنْ عُمَر وَغَيْره مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا شَرَدَتْ فَيَعْرِفهَا وَاجِدهَا بِعَلَامَتِهَا فَيَرُدّهَا. وَالْجَوَاب عَنْ النَّهْي عَنْ الْمُثْلَة وَالتَّعْذِيب أَنَّهُ عَامّ , وَحَدِيث الْوَسْم خَاصّ , فَوَجَبَ تَقْدِيمه. وَاللَّه أَعْلَم.