فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ - قَالَ - فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَسُولاً - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ - " لاَ يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلاَدَةٌ إِلاَّ قُطِعَتْ " . قَالَ مَالِكٌ أُرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ .
(قلادة من وتر أو قلادة) هكذا هو في جميع النسخ: قلادة من وتر أو قلادة. فقلادة الثانية مرفوعة معطوفة على قلادة الأولى. ومعناه أن الراوي شك هل قال قلادة من وتر، أو قال قلادة فقط، ولم يقيدها بالوتر. (أرى ذلك من العين) أي أظن أن النهي مختص بمن فعل ذلك بسبب دفع ضرر العين. وأما من فعله لغير ذلك من زينة او غيرها، فلا بأس.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَة بَعِير قِلَادَة مِنْ وَتَر , أَوْ قِلَادَة إِلَّا قُطِعَتْ قَالَ مَالِك : أَرَى ذَلِكَ مِنْ الْعَيْن ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ : ( قِلَادَة مِنْ وَتَر أَوْ قِلَادَة ) فَقِلَادَة الثَّانِيَة مَرْفُوعَة مَعْطُوفَة عَلَى قِلَادَة الْأُولَى , وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرَّاوِي شَكّ هَلْ قَالَ : قِلَادَة مِنْ وَتَر , أَوْ قَالَ : قِلَادَة فَقَطْ ؟ وَلَمْ يُقَيِّدهَا بِالْوَتَرِ. وَقَوْل مَالِك : ( أُرَى ذَلِكَ مِنْ الْعَيْن ) هُوَ بِضَمِّ هَمْزَة أُرَى أَيْ أَظُنّ أَنَّ النَّهْي مُخْتَصّ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ رَفْع ضَرَر الْعَيْن. وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ زِينَة أَوْ غَيْرهَا فَلَا بَأْس. قَالَ الْقَاضِي : الظَّاهِر مِنْ مَذْهَب مَالِك أَنَّ النَّهْي مُخْتَصّ بِالْوَتَرِ دُون غَيْره مِنْ الْقَلَائِد. قَالَ : وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي تَقْلِيد الْبَعِير وَغَيْره مِنْ الْإِنْسَان وَسَائِر الْحَيَوَان مَا لَيْسَ بِتَعَاوِيذ مَخَافَة الْعَيْن , فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ قَبْل الْحَاجَة إِلَيْهِ , وَأَجَازَهُ عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهِ لِدَفْعِ مَا أَصَابَهُ مِنْ ضَرَر الْعَيْن وَنَحْوه , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ قَبْل الْحَاجَة وَبَعْدهَا , كَمَا يَجُوز الِاسْتِظْهَار بِالتَّدَاوِي قَبْل الْمَرَض. هَذَا كَلَام الْقَاضِي : وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : كَانُوا يُقَلِّدُونَ الْإِبِل الْأَوْتَار لِئَلَّا تُصِيبهَا الْعَيْن , فَأَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِزَالَتِهَا إِعْلَامًا لَهُمْ أَنَّ الْأَوْتَار لَا تَرُدّ شَيْئًا. وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن وَغَيْره : مَعْنَاهُ لَا تُقَلِّدُوهَا أَوْتَار الْقِسِيّ لِئَلَّا تَضِيق عَلَى أَعْنَاقهَا فَتَخْنُقهَا , وَقَالَ النَّضْر : مَعْنَاهُ لَا تَطْلُبُوا الدُّخُول الَّتِي وَتَّرْتُمْ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَهَذَا تَأْوِيل ضَعِيف فَاسِد. وَاللَّه أَعْلَم.
