💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( رَأَى حُلَّة سِيَرَاء ) هِيَ بِسِينٍ مُهْمَلَة مَكْسُورَة , ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْت مَفْتُوحَة , ثُمَّ رَاءٍ , ثُمَّ أَلِف مَمْدُودَة. وَضَبَطُوا الْحُلَّة هُنَا بِالتَّنْوِينِ , عَلَى أَنَّ سِيَرَاء صِفَة , وَبِغَيْرِ تَنْوِين عَلَى الْإِضَافَة , وَهُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ , وَالْمُحَقِّقُونَ وَمُتْقِنُو الْعَرَبِيَّة يَخْتَارُونَ الْإِضَافَة. قَالَ سِيبَوَيْهِ : لَمْ تَأْتِ فِعَلَاء صِفَة , وَأَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ يُنَوِّنُونَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : حُلَّة سِيَرَاء كَمَا قَالُوا : نَاقَة عُشَرَاء قَالُوا : هِيَ بُرُود يُخَالِطهَا حَرِير , وَهِيَ مُضَلَّعَة بِالْحَرِيرِ , وَكَذَا فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيث فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ , وَكَذَا قَالَهُ الْخَلِيل وَالْأَصْمَعِيّ وَآخَرُونَ. قَالُوا : كَأَنَّهَا شُبِّهَتْ خُطُوطهَا بِالسُّطُورِ , وَقَالَ اِبْن شِهَاب : هِيَ ثِيَاب مُضَلَّعَة بِالْقَزِّ , وَقِيلَ : هِيَ مُخْتَلِفَة الْأَلْوَان , وَقَالَ : هِيَ وَشْي مِنْ حَرِير , وَقِيلَ : إِنَّهَا حَرِير مَحْض. وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( حُلَّة مِنْ اِسْتَبْرَقٍ ) , وَفِي الْأُخْرَى ( مِنْ دِيبَاج أَوْ حَرِير ) , وَفِي رِوَايَة ( حُلَّة سُنْدُس ) , فَهَذِهِ الْأَلْفَاظ تُبَيِّن أَنَّ هَذِهِ الْحُلَّة كَانَتْ حَرِيرًا مَحْضًا , وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي يَتَعَيَّن الْقَوْل بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَات , وَلِأَنَّهَا هِيَ الْمُحَرَّمَة. أَمَّا الْمُخْتَلِط مِنْ حَرِير وَغَيْره فَلَا يَحْرُم إِلَّا أَنْ يَكُون الْحَرِير أَكْثَر وَزْنًا. وَاللَّه أَعْلَم. قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْحُلَّة لَا تَكُون إِلَّا ثَوْبَيْنِ , وَتَكُون غَالِبًا إِزَارًا وَرِدَاء. وَفِي حَدِيث عُمَر فِي هَذِهِ الْحُلَّة دَلِيلٌ لِتَحْرِيمِ الْحَرِير عَلَى الرِّجَال وَإِبَاحَته لِلنِّسَاءِ , إِبَاحَة هَدِيَّته , وَإِبَاحَة ثَمَنه , وَجَوَاز إِهْدَاء الْمُسْلِم إِلَى الْمُشْرِك ثَوْبًا وَغَيْره , وَاسْتِحْبَاب لِبَاس أَنْفَس ثِيَابه يَوْم الْجُمُعَة وَالْعِيد , وَعِنْد لِقَاء الْوُفُود وَنَحْوهمْ. وَعَرْض الْمَفْضُول عَلَى الْفَاضِل , وَالتَّابِع عَلَى الْمَتْبُوع مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ مَصَالِحه الَّتِي قَدْ لَا يَذْكُرهَا. وَفِيهِ صِلَة الْأَقَارِب وَالْمَعَارِف وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا , وَجَوَاز الْبَيْع وَالشِّرَاء عِنْد بَاب الْمَسْجِد. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا يَلْبَس هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاق لَهُ فِي الْآخِرَة ) قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ لَا نَصِيب لَهُ فِي الْآخِرَة , وَقِيلَ : مَنْ لَا حُرْمَة لَهُ , وَقِيلَ مَنْ لَا دِين لَهُ. فَعَلَى الْأَوَّل يَكُون مَحْمُولًا عَلَى الْكُفَّار , وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يَتَنَاوَل الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ. وَاللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَكَسَاهَا عُمَر أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّة ) هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب قَالَ : أَرْسَلَ بِهَا عُمَر إِلَى أَخ لَهُ مِنْ أَهْل مَكَّة قَبْل أَنْ يُسْلِم , فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَة فِي مُسْنَد أَبِي عَوَانَة الْإِسْفَرَايِنِيّ : فَكَسَاهَا عُمَر أَخًا لَهُ مِنْ أُمّه مِنْ أَهْل مَكَّة مُشْرِكًا. وَفِي هَذَا دَلِيل لِجَوَازِ صِلَة الْأَقَارِب الْكُفَّار وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمْ , وَجَوَاز الْهَدِيَّة إِلَى الْكُفَّار , وَفِيهِ جَوَاز إِهْدَاء ثِيَاب الْحَرِير إِلَى الرِّجَال لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّن لِلُبْسِهِمْ , وَقَدْ يُتَوَهَّم مُتَوَهِّم أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ رِجَال الْكُفَّار يَجُوز لَهُمْ لُبْس الْحَرِير , وَهَذَا وَهْم بَاطِل , لِأَنَّ الْحَدِيث إِنَّمَا فِيهِ الْهَدِيَّة إِلَى كَافِر , وَلَيْسَ فِيهِ الْإِذْن لَهُ فِي لُبْسهَا , وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ إِلَى عُمَر وَعَلِيّ وَأُسَامَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَلَا يَلْزَم مِنْهُ إِبَاحَة لُبْسهَا لَهُمْ , بَلْ صَرَّحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِيَنْتَفِع بِهَا بِغَيْرِ اللُّبْس , وَالْمَذْهَب الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرْع , فَيَحْرُم عَلَيْهِمْ الْحَرِير كَمَا يَحْرُم عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.