💡شرح النووي على مسلم
فِيهِ أَبُو حُمَيْدٍ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَن مِنْ النَّقِيع لَيْسَ مُخَمَّرًا فَقَالَ : أَلَا خَمَّرْته ؟ وَلَوْ تَعْرُض عَلَيْهِ عُودًا. وَفِيهِ الْأَحَادِيث الْبَاقِيَة بِمَا تَرْجَمْنَا عَلَيْهِ. قَوْله : ( مِنْ النَّقِيع ) رُوِيَ بِالنُّونِ وَالْيَاء , حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاض , وَالصَّحِيح الْأَشْهَر الَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ بِالنُّونِ , وَهُوَ مَوْضِع بِوَادِي الْعَقِيق , وَهُوَ الَّذِي حَمَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْله : ( لَيْسَ مُخَمَّرًا ) أَيْ : لَيْسَ مُغَطًّى , وَالتَّخْمِير التَّغْطِيَة , وَمِنْهُ الْخَمْر لِتَغْطِيَتِهَا عَلَى الْعَقْل , وَخِمَار الْمَرْأَة لِتَغْطِيَتِهِ رَأْسهَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَوْ تَعْرُض عَلَيْهِ عُودًا ) الْمَشْهُور فِي ضَبْطه ( تَعْرُض ) بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الرَّاء , وَهَكَذَا قَالَ الْأَصْمَعِيّ وَالْجُمْهُور , وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْد بِكَسْرِ الرَّاء , وَالصَّحِيح الْأَوَّل , وَمَعْنَاهُ : تَمُدّهُ عَلَيْهِ عَرْضًا أَيْ : خِلَاف الطُّول , وَهَذَا عِنْد عَدَم مَا يُغَطِّيه بِهِ , كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَة بَعْده : ( إِنْ لَمْ يَجِد أَحَدكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُض عَلَى إِنَائِهِ عُودًا أَوْ يَذْكُر اِسْم اللَّه فَلْيَفْعَلْ ) , فَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ إِنَّمَا يَقْتَصِر عَلَى الْعُود عِنْد عَدَم مَا يُغَطِّيه بِهِ , وَذَكَرَ الْعُلَمَاء لِلْأَمْرِ بِالتَّغْطِيَةِ فَوَائِد : مِنْهَا الْفَائِدَتَانِ اللَّتَانِ وَرَدَتَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث , وَهُمَا : صِيَانَته مِنْ الشَّيْطَان فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَكْشِف غِطَاء , وَلَا يَحِلّ سِقَاء , وَصِيَانَته مِنْ الْوَبَاء الَّذِي يَنْزِل فِي لَيْلَة مِنْ السَّنَة. وَالْفَائِدَة الثَّالِثَة : صِيَانَته مِنْ النَّجَاسَة وَالْمُقَذِّرَات. وَالرَّابِعَة : مِنْ الْحَشَرَات وَالْهَوَامّ , فَرُبَّمَا وَقَعَ شَيْء مِنْهَا فِيهِ فَشَرِبَهُ وَهُوَ غَافِل , أَوْ فِي اللَّيْل فَيَتَضَرَّر بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله : ( قَالَ أَبُو حُمَيْد , وَهُوَ السَّاعِدِيُّ رَاوِي هَذَا الْحَدِيث : إِنَّمَا أَمَرَ بِالْأَسْقِيَةِ أَنْ تُوكَأَ لَيْلًا , وَبِالْأَبْوَابِ أَنْ تُغْلَق لَيْلًا ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حُمَيْد مِنْ تَخْصِيصهمَا بِاللَّيْلِ , لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ , وَالْمُخْتَار عِنْد الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَغَيْره رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : أَنَّ تَفْسِير الصَّحَابِيّ إِذَا كَانَ خِلَاف ظَاهِر اللَّفْظ لَيْسَ بِحُجَّةٍ , وَلَا يَلْزَم غَيْره مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُوَافَقَته عَلَى تَفْسِيره , وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِر الْحَدِيث مَا يُخَالِفهُ بِأَنْ كَانَ مُجْمَلًا فَيَرْجِع إِلَى تَأْوِيله , وَيَجِبُ الْحَمْل عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُجْمَلًا لَا يَحِلّ لَهُ حَمْلُهُ عَلَى شَيْء إِلَّا بِتَوْقِيفِ , وَكَذَا لَا يَجُوز تَخْصِيص الْعُمُوم بِمَذْهَبِ الرَّاوِي عِنْد الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرِينَ. وَالْأَمْر بِتَغْطِيَةِ الْإِنَاء عَامّ فَلَا يَقْبَل تَخْصِيصه بِمَذْهَبِ الرَّاوِي , بَلْ يَتَمَسَّك بِالْعُمُومِ.