💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( أُرْسِل كِلَابِي الْمُعَلَّمَة. إِلَى آخِره ) مَعَ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي الِاصْطِيَاد فِيهَا كُلّهَا إِبَاحَة الِاصْطِيَاد , وَقَدْ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ , وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَالْإِجْمَاع. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ مُبَاح لِمَنْ اِصْطَادَ لِلِاكْتِسَابِ وَالْحَاجَة وَالِانْتِفَاع بِهِ بِالْأَكْلِ وَثَمَنه , قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ اِصْطَادَ لِلَّهْوِ , وَلَكِنْ قَصَدَ تَذْكِيَته وَالِانْتِفَاع بِهِ , فَكَرِهَهُ مَالِك , وَأَجَازَهُ اللَّيْث وَابْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : فَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ نِيَّة التَّذْكِيَة فَهُوَ حَرَام ; لِأَنَّهُ فَسَاد فِي الْأَرْض وَإِتْلَاف نَفْس عَبَثًا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك الْمُعَلَّم وَذَكَرْت اِسْم اللَّه فَكُلْ , قُلْت : وَإِنْ قَتَلْنَ ؟ قَالَ : وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يُشْرِكهَا كَلْب لَيْسَ مَعَهَا ) , وَفِي رِوَايَة : ( فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْره ) فِي هَذَا الْأَمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى إِرْسَال الصَّيْد , وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى التَّسْمِيَة عِنْد الْإِرْسَال عَلَى الصَّيْد وَعِنْد الذَّبْح وَالنَّحْر , وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ وَاجِب أَمْ سُنَّة , فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَطَائِفَة أَنَّهَا سُنَّة , فَلَوْ تَرَكَهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا حَلَّ الصَّيْد وَالذَّبِيحَة , وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك وَأَحْمَد , وَقَالَ أَهْل الظَّاهِر : إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَحِلّ , وَهُوَ الصَّحِيح عَنْ أَحْمَد فِي صَيْد الْجَوَارِح , وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن سِيرِينَ وَأَبِي ثَوْر , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالك وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء : إِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا حَلَّتْ الذَّبِيحَة وَالصَّيْد , وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا فَلَا , وَعَلَى مَذْهَب أَصْحَابنَا يُكْرَه تَرْكهَا , وَقِيلَ : لَا يُكْرَه , بَلْ هُوَ خِلَاف الْأَوْلَى , وَالصَّحِيح الْكَرَاهَة. وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق } وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيث. وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة } إِلَى قَوْله { إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } فَأَبَاحَ بِالتَّذْكِيَةِ مِنْ غَيْر اِشْتِرَاط التَّسْمِيَة وَلَا وُجُوبهَا , فَإِنْ قِيلَ : التَّذْكِيَة لَا تَكُون إِلَّا بِالتَّسْمِيَةِ , قُلْنَا : هِيَ فِي اللُّغَة الشَّقّ وَالْفَتْح , وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَطَعَام الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب حِلّ لَكُمْ } وَهُمْ لَا يُسَمُّونَ , وَبِحَدِيثِ عَائِشَة أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ قَوْمًا حَدِيث عَهْدهمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَا بِلُحْمَان لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اِسْم اللَّه أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا فَنَأْكُل مِنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَمُّوا وَكُلُوا " رَوَاهُ الْبُخَارِيّ , فَهَذِهِ التَّسْمِيَة هِيَ الْمَأْمُور بِهَا عِنْد أَكْل كُلّ طَعَام , وَشُرْب كُلّ شَرَاب , وَأَجَابُوا عَنْ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ } أَنَّ الْمُرَاد مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ , كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه } وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { وَإِنَّهُ لَفِسْق }. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْ أَكَلَ مَتْرُوك التَّسْمِيَة لَيْسَ بِفَاسِقٍ , فَوَجَبَ حَمْلهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ; لِيُجْمَع بَيْنهَا وَبَيْن الْآيَات السَّابِقَات , وَحَدِيث عَائِشَة. وَحَمَلَهَا بَعْض أَصْحَابنَا عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه , وَأَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيث فِي التَّسْمِيَة أَنَّهَا لِلِاسْتِحْبَابِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك الْمُعَلَّم ) فِي إِطْلَاقه دَلِيل لِإِبَاحَةِ الصَّيْد بِجَمِيعِ الْكِلَاب الْمُعَلَّمَة مِنْ الْأُسُود وَغَيْره , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء , وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَقَتَادَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق : لَا يَحِلّ صَيْد الْكَلْب الْأَسْوَد لِأَنَّهُ شَيْطَان. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك الْمُعَلَّم ) فِيهِ : أَنَّهُ يُشْتَرَط فِي حِلّ مَا قَتَلَهُ الْكَلْب الْمُرْسَل كَوْنه كَلْبًا مُعَلَّمًا , وَأَنَّهُ يُشْتَرَط الْإِرْسَال , فَلَوْ أَرْسَلَ غَيْر مُعَلَّم أَوْ اُسْتُرْسِلَ الْمُعَلَّم بِلَا إِرْسَال , لَمْ يَحِلّ مَا قَتَلَهُ , فَأَمَّا غَيْر الْمُعَلَّم فَمُجْمَع عَلَيْهِ , وَأَمَّا الْمُعَلَّم إِذَا اُسْتُرْسِلَ فَلَا يَحِلّ مَا قَتَلَهُ عِنْدنَا وَعِنْد الْعُلَمَاء كَافَّة , إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْأَصَمّ مِنْ إِبَاحَته , وَإِلَّا مَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عَطَاء وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَحِلّ إِنْ كَانَ صَاحِبه أَخْرَجَهُ لِلِاصْطِيَادِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا لَمْ يُشْرِكهَا كَلْب لَيْسَ مَعَهَا ) فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ لَا يَحِلّ إِذَا شَارَكَهُ كَلْب آخَر , وَالْمُرَاد كَلْب آخَر اِسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ , أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْل الذَّكَاة , أَوْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ , فَلَا يَحِلّ أَكْله فِي كُلّ هَذِهِ الصُّوَر , فَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا شَارَكَهُ كَلْب أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْل الذَّكَاة عَلَى ذَلِكَ الصَّيْد حَلَّ. قَوْله : ( قُلْت : إِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْد , فَأُصِيب , فَقَالَ : إِذَا رَمَيْت بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ , وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلهُ ) , وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ , وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذ فَلَا تَأْكُل ). ( الْمِعْرَاض ) بِكَسْرِ الْمِيم وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة , وَهِيَ : خَشَبَة ثَقِيلَة , أَوْ عَصًا فِي طَرَفهَا حَدِيدَة , وَقَدْ تَكُون بِغَيْرِ حَدِيدَة , هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِيره , وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : هُوَ سَهْم لَا رِيش فِيهِ وَلَا نَصْل , وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : هُوَ سَهْم طَوِيل لَهُ أَرْبَع قُذَذ رِقَاق , فَإِذَا رَمَى بِهِ اِعْتَرَضَ , وَقَالَ الْخَلِيل كَقَوْلِ الْهَرَوِيِّ , وَنَحْوه عَنْ الْأَصْمَعِيّ , وَقِيلَ : هُوَ عُود رَقِيق الطَّرَفَيْنِ غَلِيظ الْوَسَط إِذَا رُمِيَ بِهِ ذَهَبَ مُسْتَوِيًا. وَأَمَّا ( خَزَقَ ) فَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي , وَمَعْنَاهُ نَفَذَ , وَالْوَقْذ وَالْمَوْقُوذ هُوَ الَّذِي يُقْتَل بِغَيْرِ مُحَدَّد مِنْ عَصًا أَوْ حَجَر وَغَيْرهمَا. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير : أَنَّهُ إِذَا اِصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ فَقَتَلَ الصَّيْد بِحَدِّهِ حَلَّ , وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلّ لِهَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ مَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ فُقَهَاء الشَّام : يَحِلّ مُطْلَقًا , وَكَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ وَابْن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ يَحِلّ مَا قَتَلَهُ بِالْبُنْدُقَةِ , وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَقَالَ الْجَمَاهِير : لَا يَحِلّ صَيْد الْبُنْدُقَة مُطْلَقًا : لِحَدِيثِ الْمِعْرَاض ; لِأَنَّهُ كُلّه رَضّ وَوَقْذ , وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَإِنَّهُ وَقِيذ أَيْ مَقْتُول بِغَيْرِ مُحَدَّد , وَالْمَوْقُوذَة الْمَقْتُولَة بِالْعَصَا وَنَحْوهَا , وَأَصْله مِنْ الْكَسْر وَالرَّضّ.