💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّة ) قِيلَ : هُوَ صِفَة لَهُمْ فِي الْآخِرَة إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّة , وَالْأَصَحّ أَنَّهُ صِفَة لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , أَيْ : يَرْكَبُونَ مَرَاكِب الْمُلُوك لِسَعَةِ حَالهمْ , وَاسْتِقَامَة أَمْرهمْ. وَكَثْرَة عَدَدهمْ. قَوْلهَا : فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة : ( اُدْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ وَكَانَ دَعَا لَهَا فِي الْأُولَى قَالَ : أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ ) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ الثَّانِيَة غَيْر الْأُولَى , وَأَنَّهُ عَرَضَ فِيهَا غَيْر الْأَوَّلِينَ. وَفِيهِ : مُعْجِزَات لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا إِخْبَاره بِبَقَاءِ أُمَّته بَعْده , وَأَنَّهُ تَكُون لَهُمْ شَوْكَة وَقُوَّة وَعَدَد , وَأَنَّهُمْ يَغْزُونَ وَأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الْبَحْر , وَأَنَّ أُمّ حَرَام تَعِيش إِلَى ذَلِكَ الزَّمَان , وَأَنَّهَا تَكُون مَعَهُمْ , وَقَدْ وُجِدَ بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى كُلّ ذَلِكَ. وَفِيهِ : فَضِيلَة لِتِلْكَ الْجُيُوش , وَأَنَّهُمْ غُزَاة فِي سَبِيل اللَّه. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مَتَى جَرَتْ الْغَزْوَة الَّتِي تُوُفِّيَتْ فِيهَا أُمّ حَرَام فِي الْبَحْر ؟ وَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فِي مُسْلِم أَنَّهَا رَكِبَتْ الْبَحْر فِي زَمَان مُعَاوِيَة , فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا فَهَلَكَتْ , قَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَكْثَر أَهْل السِّيَر وَالْأَخْبَار : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَة عُثْمَان بْن عَفَّان - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَأَنَّ فِيهَا رَكِبَتْ أُمّ حَرَام وَزَوْجهَا إِلَى قُبْرُص فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا هُنَاكَ , فَتُوُفِّيَتْ وَدُفِنَتْ هُنَاكَ , وَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله : ( فِي زَمَان مُعَاوِيَة ) مَعْنَاهُ : فِي زَمَان غَزْوِهِ فِي الْبَحْر لَا فِي أَيَّام خِلَافَته , قَالَ : وَقِيلَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَته , قَالَ : وَهُوَ أَظْهَر فِي دَلَالَة قَوْله فِي زَمَانه , وَفِي هَذَا الْحَدِيث : جَوَاز رُكُوب الْبَحْر لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاء , وَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُور , وَكَرِهَ مَالِك رُكُوبه لِلنِّسَاءِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنهُنَّ غَالِبًا التَّسَتُّر فِيهِ , وَلَا غَضّ الْبَصَر عَنْ الْمُتَصَرِّفِينَ فِيهِ , وَلَا يُؤْمَن اِنْكِشَاف عَوْرَاتهنَّ فِي تَصَرُّفهنَّ لَا سِيَّمَا فِيمَا صَغُرَ مِنْ السُّفْيَان , مَعَ ضَرُورَتهنَّ إِلَى قَضَاء الْحَاجَة بِحَضْرَةِ الرِّجَال. قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - , مَنْع رُكُوبه , وَقِيلَ : إِنَّمَا مَنَعَهُ الْعُمَرَانِ لِلتِّجَارَةِ , وَطَلَب الدُّنْيَا , لَا لِلطَّاعَاتِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْي عَنْ رُكُوب الْبَحْر إِلَّا لِحَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِر أَوْ غَازٍ , وَضَعَّفَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيث , وَقَالَ : رُوَاته مَجْهُولُونَ. وَاسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْقِتَال فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى وَالْمَوْت فِيهِ سَوَاء فِي الْأَجْر ; لِأَنَّ أُمّ حَرَام مَاتَتْ وَلَمْ تُقْتَل , وَلَا دَلَالَة فِيهِ لِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ : إِنَّهُمْ شُهَدَاء إِنَّمَا يَغْزُونَ فِي سَبِيل اللَّه , وَلَكِنْ قَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْد هَذَا بِقَلِيلٍ حَدِيث زُهَيْر بْن حَرْب مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة " مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيل اللَّه فَهُوَ شَهِيد " وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيل اللَّه فَهُوَ شَهِيد. وَهُوَ مُوَافِق لِمَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ يَخْرُج مِنْ بَيْته مُهَاجِرًا إِلَى اللَّه وَرَسُوله ثُمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فَقَدْ وَقَعَ أَجْره عَلَى اللَّه } قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( وَكَانَتْ أُمّ حَرَام تَحْت عُبَادَةَ بْن الصَّامِت , فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْعَمَتْهُ ) وَقَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْن الصَّامِت بَعْد ) فَظَاهِر الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَة لِعُبَادَة حَالَ دُخُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا , وَلَكِنَّ الرِّوَايَة الثَّانِيَة صَرِيحَة فِي أَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْد ذَلِكَ , فَتُحْمَل الْأُولَى عَلَى مُوَافَقَة الثَّانِيَة , وَيَكُون قَدْ أَخْبَرَ عَمَّا صَارَ حَالًا لَهَا بَعْد ذَلِكَ. قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رُمْح بْن الْمُهَاجِر أَخْبَرَنَا اللَّيْث عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا , وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْض نُسَخهمْ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رُمْح وَيَحْيَى اِبْن يَحْيَى أَخْبَرَنَا اللَّيْث فَزَادَ يَحْيَى بْن يَحْيَى مَعَ مُحَمَّد بْن رُمْح.