💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( رَاغِب وَرَاهِب ) أَيْ : رَاجِح وَخَائِف , وَمَعْنَاهُ النَّاس صِنْفَانِ : أَحَدهمَا : يَرْجُو , وَالثَّانِي : يَخَاف. أَيْ : رَاغِب فِي حُصُول شَيْء مِمَّا عِنْدِي , أَوْ رَاهِب مِنِّي , وَقِيلَ : أَرَادَ أَنِّي رَاغِب فِيمَا عِنْد اللَّه تَعَالَى , وَرَاهِب مِنْ عَذَابه , فَلَا أُعَوِّل عَلَى مَا أَتَيْتُمْ بِهِ عَلَيَّ , وَقِيلَ : الْمُرَاد الْخِلَافَة , أَيْ النَّاس فِيهَا ضَرْبَانِ : رَاغِب فِيهَا فَلَا أُحِبّ تَقْدِيمه لِرَغْبَتِهِ , وَكَارِه لَهَا فَأَخْشَى عَجْزه عَنْهَا. قَوْله : ( إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اِسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْر مِنِّي. إِلَى آخِره ) حَاصِله : أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَة إِذَا حَضَرَتْهُ مُقَدِّمَات الْمَوْت , وَقَبْل ذَلِكَ يَجُوز لَهُ الِاسْتِخْلَاف , وَيَجُوز لَهُ تَرْكه , فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدْ اِقْتَدَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا , وَإِلَّا فَقَدْ اِقْتَدَى بِأَبِي بَكْر , وَأَجْمَعُوا عَلَى اِنْعِقَاد الْخِلَافَة بِالِاسْتِخْلَافِ , وَعَلَى اِنْعِقَادهَا بِعَقْدِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد لِإِنْسَانٍ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِف الْخَلِيفَة , وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز جَعْل الْخَلِيفَة الْأَمْر شُورَى بَيْن جَمَاعَة , كَمَا فَعَلَ عُمَر بِالسِّتَّةِ , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِب عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَصْب خَلِيفَة وَوُجُوبه بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ , وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْأَصَمّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجِب , وَعَنْ غَيْره أَنَّهُ يَجِب بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ فَبَاطِلَانِ , أَمَّا الْأَصَمّ فَمَحْجُوج بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْله , وَلَا حُجَّة لَهُ فِي بَقَاء الصَّحَابَة بِلَا خَلِيفَة فِي مُدَّة التَّشَاوُر يَوْم السَّقِيفَة , وَأَيَّام الشُّورَى بَعْد وَفَاة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا تَارِكِينَ لِنَصْبِ الْخَلِيفَة , بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي النَّظَر فِي أَمْر مَنْ يُعْقَد لَهُ , وَأَمَّا الْقَائِل الْآخَر فَفَسَاد قَوْله ظَاهِر ; لِأَنَّ الْعَقْل لَا يُوجِب شَيْئًا وَلَا يُحَسِّنهُ وَلَا يُقَبِّحهُ , وَإِنَّمَا يَقَع ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَة لَا بِذَاتِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلِيل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنُصّ عَلَى خَلِيفَة , وَهُوَ إِجْمَاع أَهْل السُّنَّة وَغَيْرهَا , قَالَ الْقَاضِي : وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَكْر اِبْن أُخْت عَبْد الْوَاحِد فَزَعَمَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْر , وَقَالَ اِبْن رَاوَنْدِيّ : نَصَّ عَلَى الْعَبَّاس , وَقَالَتْ الشِّيعَة وَالرَّافِضَة : عَلَى عَلِيّ , وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَة , وَجَسَارَة عَلَى الِافْتِرَاء وَوَقَاحَة فِي مُكَابَرَة الْحِسّ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - أَجْمَعُوا عَلَى اِخْتِيَار أَبِي بَكْر وَعَلَى تَنْفِيذ عَهْده إِلَى عُمَر , وَعَلَى تَنْفِيذ عَهْد عُمَر بِالشُّورَى , وَلَمْ يُخَالِف فِي شَيْء مِنْ هَذَا أَحَد , وَلَمْ يَدَّعِ عَلِيّ وَلَا الْعَبَّاس وَلَا أَبُو بَكْر وَصِيَّة فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات , وَقَدْ اِتَّفَقَ عَلِيّ وَالْعَبَّاس عَلَى جَمِيع هَذَا مِنْ غَيْر ضَرُورَة مَانِعَة مِنْ ذِكْر وَصِيَّة لَوْ كَانَتْ , فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَصِيَّة فَقَدْ نَسَبَ الْأُمَّة إِلَى اِجْتِمَاعهَا عَلَى الْخَطَأ , وَاسْتِمْرَارهَا عَلَيْهِ , وَكَيْف يَحِلّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْل الْقِبْلَة أَنْ يَنْسِب الصَّحَابَة إِلَى الْمُوَاطَأَة عَلَى الْبَاطِل فِي كُلّ هَذِهِ الْأَحْوَال ؟ ! ! , وَلَوْ كَانَ شَيْء لَنُقِلَ ; فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُور الْمُهِمَّة.