💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( قَالَ رَجُل لِلْبَرَاءِ : يَا أَبَا عُمَارَة فَرَرْتُمْ يَوْم حُنَيْنٍ. قَالَ : لَا وَاَللَّه مَا وَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّان أَصْحَابه وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاح ) هَذَا الْجَوَاب الَّذِي أَجَابَ بِهِ الْبَرَاء - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ بَدِيع الْأَدَب ; لِأَنَّ تَقْدِير الْكَلَام فَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافَقَهُمْ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ الْبَرَاء : لَا وَاَللَّه مَا فَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة جَرَى لَهُمْ كَذَا وَكَذَا. وَأَمَّا قَوْله : ( شُبَّان أَصْحَابه ) فَهُوَ بِالشِّينِ وَآخِره نُون جَمْع شَابّ , وَقَوْله : ( أَخِفَّاؤُهُمْ ) جَمْع خَفِيف , وَهُمْ الْمُسَارِعُونَ الْمُسْتَعْجِلُونَ , وَوَقَعَ هَذَا الْحَرْف فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمْ ( جَفَاء ) بِجِيمٍ مَضْمُومَة وَبِالْمَدِّ وَفَسَّرَهُ بِسُرْعَانِهِمْ , قَالُوا : تَشْبِيهًا بِجَفَاءِ السَّيْل , وَهُوَ غُثَاؤُهُ , قَالَ الْقَاضِي - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - : إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَمَعْنَاهَا مَا سَبَقَ مِنْ خُرُوج مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْل مَكَّة وَمَنْ اِنْضَافَ إِلَيْهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَعِدُّوا , وَإِنَّمَا خَرَجَ لِلْغَنِيمَةِ مِنْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَمَنْ فِي قَلْبه مَرَض فَشَبَّهَهُ بِغُثَاءِ السَّيْل. وَأَمَّا قَوْله : ( حُسَّرًا ) هُوَ بِضَمِّ الْحَاء وَتَشْدِيد السِّين الْمَفْتُوحَة أَيْ بِغَيْرِ دُرُوع , وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاح ) الْحَاسِر : مَنْ لَا دِرْع عَلَيْهِ. قَوْله : ( فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَهُوَ مَصْدَر. وَأَمَّا ( الرِّشْق ) بِالْكَسْرِ فَهُوَ اِسْم لِلسِّهَامِ الَّتِي تَرْمِيهَا الْجَمَاعَة دَفْعَة وَاحِدَة , وَضَبَطَ الْقَاضِي الرِّوَايَة هُنَا بِالْكَسْرِ , وَضَبَطَهُ غَيْره بِالْفَتْحِ , كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا , وَهُوَ الْأَجْوَد , وَإِنْ كَانَا جَيِّدَيْنِ , وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ : ( فَرَمَوْهُ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْل ) فَهُوَ بِالْكَسْرِ لَا غَيْر , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : رَشَقَهُ يَرْشُقهُ أَرْشَقَهُ ثُلَاثِيّ وَرُبَاعِيّ , وَالثُّلَاثِيّ أَشْهَر وَأَفْصَح. قَوْله : ( فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ) أَيْ دَعَا , فَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء عِنْد قِيَام الْحَرْب. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَنْكَرَ بَعْض النَّاس كَوْن الرَّجَز شِعْرًا لِوُقُوعِهِ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْله تَعَالَى : { مَا عَلَّمْنَاهُ الشَّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } وَهَذَا مَذْهَب الْأَخْفَش , وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى فَسَاد مَذْهَب الْخَلِيل فِي أَنَّهُ شِعْر , وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ الشِّعْر هُوَ مَا قُصِدَ إِلَيْهِ , وَاعْتَمَدَ الْإِنْسَان أَنْ يُوقِعَهُ مَوْزُونًا مُقَفًّى يَقْصِدهُ إِلَى الْقَافِيَّة , وَيَقَع فِي أَلْفَاظ الْعَامَّة كَثِير مِنْ الْأَلْفَاظ الْمَوْزُونَة , وَلَا يَقُول أَحَد إِنَّهَا شِعْر , وَلَا صَاحِبهَا شَاعِر , وَهَكَذَا الْجَوَاب عَمَّا فِي الْقُرْآن مِنْ الْمَوْزُون كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } وَقَوْله تَعَالَى : { نَصْر مِنْ اللَّه وَفَتْح قَرِيب } وَلَا شَكّ أَنَّ هَذَا لَا يُسَمِّيه أَحَد مِنْ الْعَرَب شِعْرًا , لِأَنَّهُ لَمْ تُقْصَد تَقْفِيَته وَجَعْله شِعْرًا. قَالَ : وَقَدْ غَفَلَ بَعْض النَّاس عَنْ هَذَا الْقَوْل , فَأَوْقَعَهُ ذَلِكَ فِي أَنْ قَالَ الرِّوَايَة ( أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِبَ ) بِفَتْحِ الْبَاء حِرْصًا مِنْهُ عَلَى أَنْ يُفْسِد الرَّوِيّ , فَيَسْتَغْنِي عَنْ الِاعْتِذَار , وَإِنَّمَا الرِّوَايَة بِإِسْكَانِ الْبَاء , هَذَا كَلَام الْقَاضِي عَنْ الْمَازِرِيّ , قُلْت : وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَبُو الْقَاسِم عَلِيّ بْن أَبِي جَعْفَر بْن عَلِيّ السَّعْدِيّ الصَّقَلِّيّ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْقَطَّاع فِي كِتَابه ( الشَّافِي فِي عِلْم الْقَوَافِي ) : قَدَّر أَيْ قَوْم مِنْهُمْ الْأَخْفَش وَهُوَ شَيْخ هَذِهِ الصِّنَاعَة بَعْد الْخَلِيل أَنَّ مَشْطُور الرَّجَز وَمَنْهُوكه لَيْسَ بِشِعْرٍ , كَقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّه مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ ) وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُع دَمِيتِ وَفِي سَبِيل اللَّه مَا لَقِيت ) وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب ) وَأَشْبَاه هَذَا قَالَ اِبْن الْقَطَّاع : وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ الْأَخْفَش وَغَيْره غَلَط بَيِّن , وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّاعِر إِنَّمَا سُمِّيَ شَاعِرًا لِوُجُوهٍ مِنْهَا : أَنَّهُ شَعَرَ الْقَوْل وَقَصَدَهُ , وَأَرَادَهُ وَاهْتَدَى إِلَيْهِ , وَأَتَى بِهِ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَة الْعَرَب مُقَفًّى , فَإِنْ خَلَا مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَاف أَوْ بَعْضهَا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا وَلَا يَكُون قَائِله شَاعِرًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كَلَامًا مَوْزُونًا عَلَى طَرِيقَة الْعَرَب , وَقَصَدَ الشِّعْر أَوْ أَرَادَهُ وَلَمْ يُقَفِّهِ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الْكَلَام شِعْرًا , وَلَا قَائِله شَاعِرًا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء وَالشُّعَرَاء , وَكَذَا لَوْ قَفَّاهُ وَقَصَدَ بِهِ الشِّعْر وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مَوْزُونًا لَمْ يَكُنْ شِعْرًا , وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهِ مَوْزُونًا مُقَفًّى , وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِد بِهِ الشِّعْر لَا يَكُون شِعْرًا وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس يَأْتُونَ بِكَلَامٍ مَوْزُون مُقَفًّى غَيْر أَنَّهُمْ مَا قَصَدُوهُ وَلَا أَرَادُوهُ , وَلَا يُسَمَّى شِعْرًا , وَإِذَا تَفَقَّدَ ذَلِكَ وَجَدَ كَثِيرًا فِي كَلَام النَّاس كَمَا قَالَ بَعْض السُّؤَال : اِخْتِمُوا صَلَاتكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَة , وَأَمْثَال هَذَا كَثِيرَة , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَام الْمَوْزُون لَا يَكُون شِعْرًا إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَة , وَهِيَ الْقَصْد وَغَيْره مِمَّا سَبَقَ , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِد بِكَلَامِهِ ذَلِكَ الشِّعْر , وَلَا أَرَادَهُ , فَلَا يُعَدّ شِعْرًا وَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا. وَاَللَّه أَعْلَم. فَإِنْ قِيلَ : كَيْف قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب ؟ فَانْتَسَبَ إِلَى جَدّه دُون أَبِيهِ وَافْتَخَرَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الِافْتِخَار فِي حَقّ أَكْثَر النَّاس مِنْ عَمَل الْجَاهِلِيَّة ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ شُهْرَته بِجَدِّهِ أَكْثَر , لِأَنَّ أَبَاهُ عَبْد اللَّه تُوُفِّيَ شَابًّا فِي حَيَاة أَبِيهِ عَبْد الْمُطَّلِب قَبْل اِشْتِهَار عَبْد اللَّه , وَكَانَ عَبْد الْمُطَّلِب مَشْهُورًا شُهْرَة ظَاهِرَة شَائِعَة , وَكَانَ سَيِّد أَهْل مَكَّة , وَكَانَ كَثِير مِنْ النَّاس يَدْعُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب يَنْسُبُونَهُ إِلَى جَدّه لِشُهْرَتِهِ , وَمِنْهُ حَدِيث هَمَّام بْن ثَعْلَبَة فِي قَوْله : أَيّكُمْ اِبْن عَبْد الْمُطَّلِب ؟ وَقَدْ كَانَ مُشْتَهِرًا عِنْدهمْ أَنَّ عَبْد الْمُطَّلِب بُشِّرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ وَسَيَكُونُ شَأْنه عَظِيمًا , وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ بِتِلْكَ سَيْف بْن ذِي يَزَنَ , وَقِيلَ : إِنَّ عَبْد الْمُطَّلِب رَأَى رُؤْيَا تَدُلّ عَلَى ظُهُور النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا عِنْدهمْ , فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْكِيرهمْ بِذَلِكَ , وَتَنْبِيههمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُوره عَلَى الْأَعْدَاء , وَأَنَّ الْعَاقِبَة لَهُ , لِتَقْوَى نُفُوسهمْ , وَأَعْلَمَهُمْ أَيْضًا بِأَنَّهُ ثَابِت مُلَازِم لِلْحَرْبِ. لَمْ يُوَلِّ مَعَ مَنْ وَلَّى , وَعَرَّفَهُمْ مَوْضِعه لِيَرْجِع إِلَيْهِ الرَّاجِعُونَ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا النَّبِيّ لَا كَذِب ) أَيْ أَنَا النَّبِيّ حَقًّا , فَلَا أَفِرّ وَلَا أَزُول , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز قَوْل الْإِنْسَان فِي الْحَرْب : أَنَا فُلَان , وَأَنَا اِبْن فُلَان , وَمِثْله قَوْل سَلَمَة : أَنَا اِبْن الْأَكْوَع , وَقَوْل عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَره , وَأَشْبَاه ذَلِكَ , وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ عُلَمَاء السَّلَف. وَفِيهِ حَدِيث صَحِيح , قَالُوا : وَإِنَّمَا يُكْرَه قَوْل ذَلِكَ عَلَى وَجْه الِافْتِخَار كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّة. وَاَللَّه أَعْلَم.