💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ , وَعَاشَتْ بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّة أَشْهُر ) أَمَّا هِجْرَانهَا فَسَبَقَ تَأْوِيله , وَأَمَّا كَوْنهَا عَاشَتْ بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّة أَشْهُر فَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُورَة , وَقِيلَ : ثَمَانِيَة أَشْهُر , وَقِيلَ : ثَلَاثَة , وَقِيلَ : شَهْرَيْنِ , وَقِيلَ : سَبْعِينَ يَوْمًا , فَعَلَى الصَّحِيح قَالُوا : تُوُفِّيَتْ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْر رَمَضَان سَنَة إِحْدَى عَشْرَةَ. قَوْله : ( إِنَّ عَلِيًّا دَفَنَ فَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا لَيْلًا ) فِيهِ : جَوَاز الدَّفْن لَيْلًا , وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ , لَكِنَّ النَّهَار أَفْضَل إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْر ؟ قَوْله : ( وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنْ النَّاس وُجْهَة حَيَاة فَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ اِسْتَنْكَرَ عَلَى وُجُوه النَّاس فَالْتَمَسَ مُصَالَحَة أَبِي بَكْر وَمُبَايَعَته - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُر ) أَمَّا تَأَخُّر عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَنْ الْبَيْعَة فَقَدْ ذَكَرَهُ عَلِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث , وَاعْتَذَرَ أَبُو بَكْر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - , وَمَعَ هَذَا فَتَأَخُّره لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي الْبَيْعَة , وَلَا فِيهِ. أَمَّا الْبَيْعَة : فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَة كُلّ النَّاس , وَلَا كُلّ أَهْل الْحَلّ وَالْعِقْد , وَإِنَّمَا يُشْتَرَط مُبَايَعَة مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالرُّؤَسَاء وَوُجُوه النَّاس , وَأَمَّا عَدَم الْقَدْح فِيهِ فَلِأَنَّهُ لَا يَجِب عَلَى كُلّ وَاحِد أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْأَمَام فَيَضَع يَده فِي يَده وَيُبَايِعهُ , وَإِنَّمَا يَلْزَمهُ إِذَا عَقَدَ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد لِلْإِمَامِ الِانْقِيَاد لَهُ , وَأَلَّا يُظْهِر خِلَافًا , وَلَا يَشُقّ الْعَصَا , وَهَكَذَا كَانَ شَأْن عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فِي تِلْكَ الْمُدَّة الَّتِي قَبْلَ بَيْعَته , فَإِنَّهُ لَمْ يُظْهِر عَلَى أَبِي بَكْر خِلَافًا وَلَا شَقَّ الْعَصَا , وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْ الْحُضُور عِنْده لِلْعُذْرِ الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث , وَلَمْ يَكُنْ اِنْعِقَاد الْبَيْعَة وَانْبِرَامُهَا مُتَوَقِّفًا عَلَى حُضُوره , فَلَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْحُضُور لِذَلِكَ وَلَا لِغَيْرِهِ , فَلَمَّا لَمْ يَجِب لَمْ يَحْضُر , وَمَا نُقِلَ عَنْهُ قَدْح فِي الْبَيْعَة وَلَا مُخَالَفَة , وَلَكِنْ بَقِيَ فِي نَفْسه عَتَب فَتَأَخَّرَ حُضُوره إِلَى أَنْ زَالَ الْعَتَب , وَكَانَ سَبَب الْعَتَب أَنَّهُ مَعَ وَجَاهَته وَفَضِيلَته فِي نَفْسه فِي كُلّ شَيْء , وَقُرْبه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْر ذَلِكَ , رَأَى أَنَّهُ لَا يَسْتَبِدّ بِأَمْرٍ إِلَّا بِمَشُورَتِهِ وَحُضُوره , وَكَانَ عُذْر أَبِي بَكْر وَعُمَر وَسَائِر الصَّحَابَة وَاضِحًا ; لِأَنَّهُمْ رَأَوْا الْمُبَادَرَة بِالْبَيْعَةِ مِنْ أَعْظَم مَصَالِح الْمُسْلِمِينَ , وَخَافُوا مِنْ تَأْخِيرهَا حُصُول خِلَاف وَنِزَاع تَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَفَاسِد عَظِيمَة , وَلِهَذَا أَخَّرُوا دَفْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عَقَدُوا الْبَيْعَة لِكَوْنِهَا كَانَتْ أَهَمَّ الْأُمُور ; كَيْلَا يَقَع نِزَاع فِي مَدْفِنه أَوْ كَفَنه أَوْ غُسْله أَوْ الصَّلَاة عَلَيْهِ أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَلَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَفْصِل الْأُمُور فَرَأَوْا تَقَدُّم الْبَيْعَة أَهَمّ الْأَشْيَاء. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنْ اِئْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَك أَحَد كَرَاهِيَة مَحْضَر عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَقَالَ عُمَر لِأَبِي بَكْر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : وَاَللَّه لَا تَدْخُل عَلَيْهِمْ وَحْدك ) أَمَّا كَرَاهَتهمْ لِمَحْضَرِ عُمَر , فَلِمَا عَلِمُوا مِنْ شِدَّته وَصَدْعه بِمَا يَظْهَر لَهُ , فَخَافُوا أَنْ يَنْتَصِر لِأَبِي بَكْر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - , فَيَتَكَلَّم بِكَلَامٍ يُوحِش قُلُوبهمْ عَلَى أَبِي بَكْر , وَكَانَتْ قُلُوبهمْ قَدْ طَابَتْ عَلَيْهِ وَانْشَرَحَتْ لَهُ ; فَخَافُوا أَنْ يَكُون حُضُور عُمَر سَبَبًا لِتَغَيُّرِهَا. وَأَمَّا قَوْل عُمَر : ( لَا تَدْخُل عَلَيْهِمْ وَحْدك ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ خَافَ أَنْ يُغْلِظُوا عَلَيْهِ فِي الْمُعَاتَبَة , وَيَحْمِلهُمْ عَلَى الْإِكْثَار مِنْ ذَلِكَ لِين أَبِي بَكْر وَصَبْره عَنْ الْجَوَاب عَنْ نَفْسه , وَرُبَّمَا رَأَى مِنْ كَلَامهمْ مَا غَيَّرَ قَلْبه فَيَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة خَاصَّة أَوْ عَامَّة , وَإِذَا حَضَرَ عُمَر اِمْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ , وَأَمَّا كَوْن عُمَر حَلَفَ أَلَّا يَدْخُل عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْر وَحْده فَحَنَّثَهُ أَبُو بَكْر وَدَخَلَ وَحْده , فَفِيهِ : دَلِيل عَنْ أَنَّ إِبْرَار الْقَسَم إِنَّمَا يُؤْمَر بِهِ الْإِنْسَان إِذَا أَمْكَنَ اِحْتِمَاله بِلَا مَشَقَّة , وَلَا تَكُون فِيهِ مَفْسَدَة , وَعَلَى هَذَا يُحْمَل الْحَدِيث بِإِبْرَارِ الْقَسَم. قَوْله : ( وَلَمْ نَنْفَس عَلَيْك خَيْرًا سَاقَهُ اللَّه إِلَيْك ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاء , يُقَال : نَفِسْت عَلَيْهِ بِكَسْرِ الْفَاء ( أَنْفَس ) بِفَتْحِهَا ( نَفَاسَة ) وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الْحَسَد. قَوْله : ( وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَال فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْحَقّ ) مَعْنَى شَجَرَ : الِاخْتِلَاف وَالْمُنَازَعَة , وَقَوْله : ( لَمْ آلُ ) أَيْ : لَمْ أُقَصِّر. قَوْله : ( فَقَالَ لِأَبِي بَكْر مَوْعِدك الْعَشِيَّة لِلْبَيْعَةِ , فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْر صَلَاة الظُّهْر رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَر ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَاف يُقَال : رَقِيَ كَعَلِمَ يَعْلَم , وَالْعَشِيّ بِحَذْفِ الْهَاء هُوَ مِنْ زَوَال الشَّمْس , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( صَلَّى إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ إِمَّا الظُّهْر وَإِمَّا الْعَصْر ) وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان صِحَّة خِلَافَة أَبِي بَكْر وَانْعِقَاد الْإِجْمَاع عَلَيْهَا.