💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( عَنْ عَوْف بْن مَالِك - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ : قَتَلَ رَجُل مِنْ حِمْيَر رَجُلًا مِنْ الْعَدُوّ , فَأَرَادَ سَلَبَهُ , فَمَنَعَهُ خَالِد بْن الْوَلِيد , وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ , فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَوْف اِبْن مَالِك فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لِخَالِدٍ : مَا مَنَعَك أَنْ تُعْطِيه سَلَبه ؟ قَالَ : اِسْتَكْثَرْته يَا رَسُول اللَّه , قَالَ اِدْفَعْهُ إِلَيْهِ , فَمَرَّ خَالِد بِعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ , فَقَالَ : هَلْ أَنْجَزْت لَك مَا ذَكَرْت لَك مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَسَمِعَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتُغْضِبَ , فَقَالَ : لَا تُعْطِهِ يَا خَالِد لَا تُعْطِهِ يَا خَالِد هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي. ) إِلَى آخِره , هَذِهِ الْقَضِيَّة جَرَتْ فِي غَزْوَة مُؤْتَة سَنَة ثَمَان كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ. وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ يَسْتَشْكِل مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْقَاتِل قَدْ اِسْتَحَقَّ السَّلَب , فَكَيْف مَنَعَهُ إِيَّاهُ ؟ وَيُجَاب عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : لَعَلَّهُ أَعْطَاهُ بَعْد ذَلِكَ لِلْقَاتِلِ , وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ تَعْزِيرًا لَهُ وَلِعَوْفِ بْن مَالِك لِكَوْنِهِمَا أَطْلَقَا أَلْسِنَتهمَا فِي خَالِد - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَانْتَهَكَا حُرْمَة الْوَالِي وَمَنْ وَلَّاهُ. الْوَجْه الثَّانِي : لَعَلَّهُ اِسْتَطَابَ قَلْب صَاحِبه فَتَرَكَهُ صَاحِبه بِاخْتِيَارِهِ , وَجَعَلَهُ لِلْمُسْلِمِينَ , وَكَانَ الْمَقْصُود بِذَلِكَ اِسْتَطَابَةُ قَلْب خَالِد - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لِلْمَصْلَحَةِ فِي إِكْرَام الْأُمَرَاء. قَوْله : ( فَاسْتُغْضِبَ فَقَالَ : لَا تُعْطِهِ يَا خَالِد ) فِيهِ : جَوَاز الْقَضَاء فِي حَال الْغَضَب وَنُفُوذه , وَأَنَّ النَّهْي لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ , وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْأَقْضِيَة قَرِيبًا وَاضِحَة. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي ) , هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ ( تَارِكُوا ) بِغَيْرِ نُون , وَفِي بَعْضهَا ( تَارِكُونَ ) بِالنُّونِ , وَهَذَا هُوَ الْأَصْل , وَالْأَوَّل صَحِيح أَيْضًا , وَهِيَ لُغَة مَعْرُوفَة , وَقَدْ جَاءَتْ بِهَا أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا , وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا " وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الْإِيمَان. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَة الْأُمَرَاء وَالرَّعِيَّة : ( فَصَفْوُهُ لَكُمْ ) يَعْنِي الرَّعِيَّة ( وَكَدْرُهُ عَلَيْهِمْ ) يَعْنِي : عَلَى الْأُمَرَاء , قَالَ أَهْل اللُّغَة : ( الصَّفْو ) هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد لَا غَيْر , وَهُوَ الْخَالِص , فَإِذَا أَلْحَقُوهُ الْهَاء فَقَالُوا : الصَّفْوَة , كَانَتْ الصَّاد مَضْمُومَة وَمَفْتُوحَة وَمَكْسُورَة ثَلَاث لُغَات. وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّ الرَّعِيَّة يَأْخُذُونَ صَفْو الْأُمُور , فَتَصِلُهُمْ أَعْطِيَاتهمْ بِغَيْرِ نَكَد , وَتُبْتَلَى الْوُلَاة بِمُقَاسَاةِ الْأُمُور , وَجَمْع الْأَمْوَال عَلَى وُجُوههَا , وَصَرْفهَا فِي وُجُوههَا , وَحِفْظ الرَّعِيَّة وَالشَّفَقَة عَلَيْهِمْ , وَالذَّبّ عَنْهُمْ , وَإِنْصَاف بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , ثُمَّ مَتَى وَقَعَ عَلَقَة أَوْ عَتَب فِي بَعْض ذَلِكَ ; تَوَجَّهَ عَلَى الْأُمَرَاء دُون النَّاس. قَوْله : ( غَزْوَة مُؤْتَة ) هِيَ بِضَمِّ الْمِيم ثُمَّ هَمْزَة سَاكِنَة وَيَجُوز تَرْك الْهَمْز كَمَا فِي نَظَائِره , وَهِيَ قَرْيَة مَعْرُوفَة فِي طَرَف الشَّام عِنْد الْكَرْك. قَوْله : ( وَرَافَقَنِي مَدَدِي ) يَعْنِي : رَجُل مِنْ الْمَدَد , وَاَلَّذِينَ جَاءُوا يَمُدُّونَ جَيْش مُؤْتَة وَيُسَاعِدُونَهُمْ.