💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَوْلَا أَنْ أَكْتُم عِلْمًا مَا كَتَبْت إِلَيْهِ ) يَعْنِي إِلَى نَجْدَة الْحَرُورِيّ مِنْ الْخَوَارِج , مَعْنَاهُ : أَنَّ اِبْن عَبَّاس يَكْرَه نَجْدَة لِبِدْعَتِهِ , وَهِيَ كَوْنه مِنْ الْخَوَارِج الَّذِينَ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين مُرُوق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة , وَلَكِنْ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ الْعِلْم لَمْ يُمْكِنهُ كَتْمه فَاضْطُرَّ إِلَى جَوَابه , وَقَالَ : لَوْلَا أَنْ أَكْتُم عِلْمًا مَا كَتَبْت إِلَيْهِ أَيْ لَوْلَا أَنِّي إِذَا تَرَكْت الْكِتَابَة أَصِير كَاتِمًا لِلْعِلْمِ , مُسْتَحِقًّا لِوَعِيدِ كَاتِمه لَمَا كَتَبْت إِلَيْهِ. قَوْله : ( كَانَ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَة وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِب لَهُنَّ ) فِيهِ : حُضُور النِّسَاء الْغَزْو وَمُدَاوَاتهنَّ الْجَرْحَى كَمَا سَبَقَ فِي الْبَاب قَبْله , وَقَوْله : ( يُحْذَيْنَ ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَإِسْكَان الْحَاء الْمُهْمَلَة وَفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة , أَيْ : يُعْطَيْنَ تِلْكَ الْعَطِيَّة , وَتُسَمَّى الرَّضْخ , وَفِي هَذَا أَنَّ الْمَرْأَة تَسْتَحِقّ الرَّضْخ وَلَا تَسْتَحِقّ السَّهْم , وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : تَسْتَحِقّ السَّهْم إِنْ كَانَتْ تُقَاتِل أَوْ تُدَاوِي الْجَرْحَى , وَقَالَ مَالِك : لَا رَضْخ لَهَا , وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مَرْدُودَانِ بِهَذَا الْحَدِيث الصَّرِيح. قَوْله : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْتُل الصِّبْيَان فَلَا تَقْتُل الصِّبْيَان ) فِيهِ : النَّهْي عَنْ قَتْل صِبْيَان أَهْل الْحَرْب , وَهُوَ حَرَام إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا , وَكَذَلِكَ النِّسَاء , فَإِنْ قَاتَلُوا جَازَ قَتْلهمْ. قَوْله : ( وَكَتَبْت تَسْأَلنِي : مَتَى يَنْقَضِي يُتْم الْيَتِيم ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُل لَتَنْبُتُ لِحْيَته وَإِنَّهُ لَضَعِيف الْأَخْذ لِنَفْسِهِ ضَعِيف الْعَطَاء مِنْهَا , فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِح مَا يَأْخُذ النَّاس فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْم ) مَعْنَى هَذَا : مَتَى يَنْقَضِي حُكْم الْيُتْم وَيَسْتَقِلّ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَاله ؟ وَأَمَّا نَفْس الْيُتْم فَيَنْقَضِي بِالْبُلُوغِ , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُتْم بَعْد الْحُلُم " , وَفِي هَذَا دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّ حُكْم الْيُتْم لَا يَنْقَطِع بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغ وَلَا بِعُلُوِّ السِّنّ , بَلْ لَا بُدّ أَنْ يَظْهَر مِنْهُ الرُّشْد فِي دِينه وَمَالِه , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَة زَالَ عَنْهُ حُكْم الصِّبْيَان , وَصَارَ رَشِيدًا يَتَصَرَّف فِي مَالِه , وَيَجِب تَسْلِيمه إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْر ضَابِط لَهُ , وَأَمَّا الْكَبِير إِذَا طَرَأَ تَبْذِيره فَمَذْهَب مَالِك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء وُجُوب الْحَجْر عَلَيْهِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يُحْجَر , قَالَ اِبْن الْقَصَّار وَغَيْره : الصَّحِيح الْأَوَّل , وَكَأَنَّهُ إِجْمَاع. قَوْله : ( وَكَتَبْت تَسْأَلنِي عَنْ الْخُمُس لِمَنْ هُوَ ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُول : هُوَ لَنَا , فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمنَا ذَاكَ ) مَعْنَاهُ : خُمُس خُمُس الْغَنِيمَة الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه لِذَوِي الْقُرْبَى , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ فَقَالَ الشَّافِعِيّ مِثْل قَوْل اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ أَنَّ خُمُس الْخُمُس مِنْ الْفَيْء وَالْغَنِيمَة يَكُون لِذَوِي الْقُرْبَى , وَهُمْ عِنْد الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرِينَ : بَنُو هَاشِم وَبَنُو الْمُطَّلِب. وَقَوْله : ( أَبَى عَلَيْنَا قَوْمنَا ذَاكَ ) أَيْ : رَأَوْا لَا يَتَعَيَّن صَرْفه إِلَيْنَا , بَلْ يَصْرِفُونَهُ فِي الْمَصَالِح , وَأَرَادُوا بِقَوْمِهِ وُلَاة الْأَمْر مِنْ بَنِي أُمَيَّة , وَقَدْ صَرَّحَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَة لَهُ بِأَنَّ سُؤَال نَجْدَة لِابْنِ عَبَّاس عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِل كَانَ فِي فِتْنَة اِبْن الزُّبَيْر , وَكَانَتْ فِتْنَة اِبْن الزُّبَيْر بَعْد بِضْع وَسِتِّينَ سَنَة مِنْ الْهِجْرَة , وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - : يَجُوز أَنَّ اِبْن عَبَّاس أَرَادَ بِقَوْلِهِ : ( أَبَى ذَاكَ عَلَيْنَا قَوْمنَا ) مِنْ بَعْد الصَّحَابَة وَهُمْ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَلَا تَقْتُل الصِّبْيَان إِلَّا أَنْ تَكُون تَعْلَم مَا عَلِمَهُ الْخَضِر مِنْ الصَّبِيّ الَّذِي قَتَلَ ) مَعْنَاهُ : أَنَّ الصِّبْيَان لَا يَحِلّ قَتْلهمْ , وَلَا يَحِلّ لَك أَنْ تَتَعَلَّق بِقِصَّةِ الْخَضِر وَقَتْله صَبِيًّا ; فَإِنَّ الْخَضِر مَا قَتَلَهُ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى لَهُ عَلَى التَّعْيِين , كَمَا قَالَ فِي آخِر الْقِصَّة : { وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي } فَإِنْ كُنْت أَنْتَ تَعْلَم مِنْ صَبِيّ ذَلِكَ فَاقْتُلْهُ , وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا عِلْم لَهُ بِذَلِكَ , فَلَا يَجُوز لَهُ الْقَتْل. قَوْله : ( وَتُمَيِّز الْمُؤْمِن فَتَقْتُل الْكَافِر وَتَدَع الْمُؤْمِن ) مَعْنَاهُ : مَنْ يَكُون إِذَا عَاشَ إِلَى الْبُلُوغ مُؤْمِنًا , وَمَنْ يَكُون إِذَا عَاشَ كَافِرًا , فَمَنْ عَلِمْت أَنَّهُ يَبْلُغ كَافِرًا فَاقْتُلْهُ , كَمَا عَلِمَ الْخَضِر أَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيّ لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا , وَأَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ , وَمَعْلُوم أَنَّك أَنْتَ لَا تَعْلَم ذَلِكَ , فَلَا تَقْتُل صَبِيًّا.