💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( فَصَلَّيْنَا عِنْدهَا صَلَاة الْغَدَاة بِغَلَسٍ ) فِيهِ : اِسْتِحْبَاب التَّبْكِير بِالصَّلَاةِ أَوَّل الْوَقْت , وَأَنَّهُ لَا يُكْرَه تَسْمِيَة صَلَاة الصُّبْح غَدَاة , فَيَكُون رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابنَا : إِنَّهُ مَكْرُوه , وَقَدْ سَبَقَ شَرْح حَدِيث أَنَس هَذَا فِي كِتَاب الْمُسَاقَاة , وَذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ : جَوَاز الْإِرْدَاف عَلَى الدَّابَّة إِذَا كَانَتْ مُطِيقَة , وَأَنَّ إِجْرَاء الْفَرَس وَالْإِغَارَة لَيْسَ بِنَقْصٍ وَلَا هَادِم لِلْمُرُوءَةِ , بَلْ هُوَ سُنَّة وَفَضِيلَة , وَهُوَ مِنْ مَقَاصِد الْقِتَال. قَوْله : ( وَانْحَسَرَ الْإِزَار عَنْ فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاض فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذَا مِمَّا اِسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَاب مَالِك وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى أَنَّ الْفَخِذ لَيْسَتْ عَوْرَة مِنْ الرَّجُل , وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب آخَرِينَ أَنَّهَا عَوْرَة , وَقَدْ جَاءَتْ بِكَوْنِهَا عَوْرَة أَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة , وَتَأَوَّلَ أَصْحَابنَا حَدِيث أَنَس - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا عَلَى أَنَّهُ اِنْحَسَرَ بِغَيْرِ اِخْتِيَاره لِضَرُورَةِ الْإِغَارَة وَالْإِجْرَاء , وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ اِسْتَدَامَ كَشْف الْفَخِذ مَعَ إِمْكَان السَّتْر , وَأَمَّا قَوْل أَنَس : ( فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاض فَخِذه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَمَحْمُول عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَصَره عَلَيْهِ فَجْأَة , لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَهُ , وَأَمَّا رِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَرَ الْإِزَار , فَمَحْمُولَة عَلَى أَنَّهُ اِنْحَسَرَ كَمَا فِي رِوَايَة مُسْلِم , وَأَجَابَ بَعْض أَصْحَاب مَالِك عَنْ هَذَا فَقَالَ : هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ أَنْ يَبْتَلِيه بِانْكِشَافِ عَوْرَته , وَأَصْحَابنَا يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ اِخْتِيَار الْإِنْسَان فَلَا نَقْص عَلَيْهِ فِيهِ , وَلَا يَمْتَنِع مِثْله. قَوْله : ( اللَّه أَكْبَر خَرِبَتْ خَيْبَر ) فِيهِ : اِسْتِحْبَاب التَّكْبِير عِنْد اللِّقَاء , قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : تَفَاءَلَ بِخَرَابِهَا بِمَا رَآهُ فِي أَيْدِيهمْ مِنْ آلَاتِ الْخَرَاب مِنْ الْفُؤُوس وَالْمَسَاحِيّ وَغَيْرهَا , وَقِيلَ : أَخَذَهُ مِنْ اِسْمهَا , وَالْأَصَحّ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِذَلِكَ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْم فَسَاءَ صَبَاح الْمُنْذَرِينَ ) ( السَّاحَة ) : الْفِنَاء , وَأَصْلهَا : الْفَضَاء بَيْن الْمَنَازِل , فَفِيهِ : جَوَاز الِاسْتِشْهَاد فِي مِثْل هَذَا السِّيَاق بِالْقُرْآنِ فِي الْأُمُور الْمُحَقَّقَة , وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة , كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا فِي فَتْح مَكَّة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَل يَطْعُن فِي الْأَصْنَام وَيَقُول : " جَاءَ الْحَقّ وَمَا يُبْدِئ الْبَاطِل وَمَا يُعِيد , جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِل ". قَالَ الْعُلَمَاء : يُكْرَه مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى ضَرْب الْأَمْثَال فِي الْمُحَاوَرَات وَالْمَزْح وَلَغْو الْحَدِيث , فَيُكْرَه فِي كُلّ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّه تَعَالَى. قَوْله : ( مُحَمَّد ) ( وَالْخَمِيس ) هُوَ الْجَيْش , وَقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ قَالُوا : سُمِّيَ خَمِيسًا لِأَنَّهُ خَمْسَة أَقْسَام : مَيْمَنَة وَمَيْسَرَة وَمُقَدِّمَة وَمُؤَخِّرَة وَقَلْب , قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَيْنَاهُ بِرَفْعِ ( الْخَمِيس ) عَطْفًا عَلَى قَوْله ( مُحَمَّد ) وَبِنَصَبِهَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول مَعَهُ. قَوْله : ( أَصَبْنَاهَا عَنْوَة ) هِيَ بِفَتْحِ الْعَيْن , أَيْ : قَهْرًا لَا صُلْحًا , قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْمَازِرِيُّ : ظَاهِر هَذَا أَنَّهَا كُلّهَا فُتِحَتْ عَنْوَة , وَقَدْ رَوَى مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّ بَعْضهَا فُتِحَ عَنْوَة , وَبَعْضهَا صُلْحًا , قَالَ : وَقَدْ يُشْكِل مَا رُوِيَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَسَمَهَا نِصْفَيْنِ , نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَته , وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ : وَجَوَابه مَا قَالَ بَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ حَوْلهَا ضِيَاع وَقُرَى أَجْلَى عَنْهَا أَهْلهَا , فَكَانَتْ خَالِصَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا سِوَاهَا لِلْغَانِمِينَ , فَكَانَ قَدْر الَّذِي خَلَوْا عَنْهُ النِّصْف , فَلِهَذَا قُسِمَ نِصْفَيْنِ , قَالَ الْقَاضِي : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْإِغَارَة عَلَى الْعَدُوّ يُسْتَحَبّ كَوْنهَا أَوَّل النَّهَار عِنْد الصُّبْح , لِأَنَّهُ وَقْت غِرَّتهمْ وَغَفْلَة أَكْثَرهمْ , ثُمَّ يُضِيء لَهُمْ النَّهَار لِمَا يُحْتَاج إِلَيْهِ , بِخِلَافِ مُلَاقَاة الْجُيُوش وَمُصَافَفَتِهِمْ وَمُنَاصَبَة الْحُصُون ; فَإِنَّ هَذَا يُسْتَحَبّ كَوْنه بَعْد الزَّوَال , لِيَدُومَ النَّشَاط بِبَرْدِ الْوَقْت بِخِلَافِ ضِدّه.