💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الْبَيْت ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا ( أُحْصِرَ عِنْد الْبَيْت ) وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة جَمِيع الرُّوَاة سِوَى اِبْن الْحَذَّاء , فَإِنَّ فِي رِوَايَته عَنْ الْبَيْت وَهُوَ الْوَجْه , وَأَمَّا الْحَصْر وَحُصِرَ فَسَبَقَ بَيَانهمَا فِي كِتَاب الْحَجّ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرِنِي مَكَانهَا فَأَرَاهُ مَكَانهَا فَمَحَاهَا وَكَتَبَ اِبْن عَبْد اللَّه ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - : اِحْتَجَّ بِهَذَا اللَّفْظ بَعْض النَّاس عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ ذَلِكَ بِيَدِهِ عَلَى ظَاهِر هَذَا اللَّفْظ , وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ نَحْوه مِنْ رِوَايَة إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق , وَقَالَ فِيهِ : أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَاب فَكَتَبَ , وَزَادَ عَنْهُ فِي طَرِيق آخَر , وَلَا يَحْسُن أَنْ يَكْتُبَ فَكَتَبَ , قَالَ أَصْحَاب هَذَا الْمَذْهَب : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَده إِمَّا بِأَنْ كَتَبَ ذَلِكَ الْقَلَم بِيَدِهِ وَهُوَ غَيْر عَالِم بِمَا يَكْتُب , أَوْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَّمَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ حَتَّى كَتَبَ , وَجَعَلَ هَذَا زِيَادَة فِي مُعْجِزَته , فَإِنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا فَكَمَا عَلَّمَهُ مَا لَمْ يَعْلَم مِنْ الْعِلْم , وَجَعَلَهُ يَقْرَأ مَا لَمْ يَقْرَأ , وَيَتْلُو مَا لَمْ يَكُنْ يَتْلُو , كَذَلِكَ عَلَّمَهُ أَنْ يَكْتُب مَا لَمْ يَكُنْ يَكْتُب , وَخَطَّ مَا لَمْ يَكُنْ يَخُطّ بَعْد النُّبُوَّة , أَوْ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَده , قَالُوا : وَهَذَا لَا يَقْدَح فِي وَصْفه بِالْأُمِّيَّةِ , وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ جَاءَتْ فِي هَذَا عَنْ الشَّعْبِيّ وَبَعْض السَّلَف , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَتَبَ. قَالَ الْقَاضِي : وَإِلَى جَوَاز هَذَا ذَهَبَ الْبَاجِيُّ , وَحَكَاهُ عَنْ السِّمَنَانِيّ وَأَبِي ذَرّ وَغَيْره , وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى مَنْع هَذَا كُلّه , قَالُوا : وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ الذَّاهِبُونَ إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل يُبْطِلهُ وَصْف اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك } وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّا أُمَّة أُمِّيَّة لَا نَكْتُب وَلَا نَحْسِب " , قَالُوا : وَقَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث : ( كَتَبَ ) مَعْنَاهُ : أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ , كَمَا يُقَال : رَجَمَ مَاعِزًا , وَقَطَعَ السَّارِق , وَجَلَدَ الشَّارِب , أَيْ : أَمَرَ بِذَلِكَ , وَاحْتَجُّوا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( فَقَالَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - اُكْتُبْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ) قَالَ الْقَاضِي : وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ قَوْله تَعَالَى إِنَّهُ لَمْ يَتْلُ وَلَمْ يَخُطّ , أَيْ مِنْ قَبْل تَعْلِيمه كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { مِنْ قَبْله } فَكَمَا جَازَ أَنْ يَتْلُو جَازَ أَنْ يَكْتُب , وَلَا يَقْدَح هَذَا فِي كَوْنه أُمِّيًّا إِذْ لَيْسَتْ الْمُعْجِزَة مُجَرَّد كَوْنه أُمِّيًّا , فَإِنَّ الْمُعْجِزَة حَاصِلَة بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ , ثُمَّ جَاءَ بِالْقُرْآنِ , وَبِعُلُومٍ لَا يَعْلَمهَا الْأُمِّيُّونَ , قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ظَاهِر , قَالَ : وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا : ( وَلَا يَحْسُن أَنْ يَكْتُب فَكَتَبَ ) كَالنَّصِّ أَنَّهُ كَتَبَ بِنَفْسِهِ , قَالَ : وَالْعُدُول إِلَى غَيْره مَجَاز , وَلَا ضَرُورَة إِلَيْهِ , قَالَ : وَقَدْ طَالَ كَلَام كُلّ فِرْقَة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة , وَشَنَّعَتْ كُلّ فِرْقَة عَلَى الْأُخْرَى فِي هَذَا. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثَّالِث ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ كُلّهَا ( يَوْم الثَّالِث ) بِإِضَافَةِ يَوْم إِلَى الثَّالِث , وَهُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصِّفَة , وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه مَرَّات , وَمَذْهَب الْكُوفِيِّينَ : جَوَازه عَلَى ظَاهِره , وَمَذْهَب الْبَصْرِيِّينَ : تَقْدِير مَحْذُوف مِنْهُ , أَيْ يَوْم الزَّمَان الثَّالِث. قَوْله : ( فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَة أَيَّام , فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثَّالِث , قَالُوا لِعَلِيٍّ : هَذَا آخِر يَوْم مِنْ شَرْط صَاحِبك فَأْمُرْهُ أَنْ يَخْرُج فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ : نَعَمْ : فَخَرَجَ ) هَذَا الْحَدِيث فِيهِ حَذْف وَاخْتِصَار , وَالْمَقْصُود أَنَّ هَذَا الْكَلَام لَمْ يَقَع فِي عَام صُلْح الْحُدَيْبِيَة , وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي السَّنَة الثَّانِيَة , وَهِيَ عُمْرَة الْقَضَاء , وَكَانُوا شَارَطُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَام الْحُدَيْبِيَة أَنْ يَجِيء بِالْعَامِ الْمُقْبِل فَيَعْتَمِر وَلَا يُقِيم أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة أَيَّام , فَجَاءَ فِي الْعَام الْمُقْبِل , فَأَقَامَ إِلَى أَوَاخِر الْيَوْم الثَّالِث , فَقَالُوا لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا الْكَلَام , فَاخْتَصَرَ هَذَا الْحَدِيث , وَلَمْ يَذْكُر أَنَّ الْإِقَامَة وَهَذَا الْكَلَام كَانَ فِي الْعَام الْمُقْبِل , وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْره بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا , وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَات أُخَر , مَعَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْخُل مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة. وَاَللَّه أَعْلَم. فَإِنْ قِيلَ : كَيْف أَحْوَجُوهُمْ إِلَى أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُمْ الْخُرُوج وَيَقُومُوا بِالشَّرْطِ ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ هَذَا الطَّلَب كَانَ قَبْل اِنْقِضَاء الْأَيَّام الثَّلَاثَة بِيَسِيرٍ , وَكَانَ عَزْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عَلَى الِارْتِحَال عِنْد اِنْقِضَاء الثَّلَاثَة , فَاحْتَاطَ الْكُفَّار لِأَنْفُسِهِمْ وَطَلَبُوا الِارْتِحَال قَبْل اِنْقِضَاء الثَّلَاثَة بِيَسِيرٍ , فَخَرَجُوا عِنْد اِنْقِضَائِهَا وَفَاء بِالشَّرْطِ , لَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ لَوْ لَمْ يُطْلَب اِرْتِحَالهمْ.