💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّد ) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَى قَاضَى هُنَا فَاصَلَ وَأَمْضَى أَمْره عَلَيْهِ , وَمِنْهُ قَضَى الْقَاضِي , أَيْ : فَصَلَ الْحُكْم وَأَمْضَاهُ , وَلِهَذَا سُمِّيَتْ تِلْكَ السَّنَة عَام الْمُقَاضَاة , وَعُمْرَة الْقَضِيَّة , وَعُمْرَة الْقَضَاء , كُلّه مِنْ هَذَا , وَغَلَّطُوا مَنْ قَالَ : إِنَّهَا سُمِّيَتْ عُمْرَة الْقَضَاء لِقَضَاءِ الْعُمْرَة الَّتِي صُدَّ عَنْهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَجِب قَضَاء الْمَصْدُود عَنْهَا إِذَا تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي ذَلِكَ الْعَام. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكْتُب فِي أَوَّل الْوَثَائِق وَكُتُب الْإِمْلَاك وَالصَّدَاق وَالْعِتْق وَالْوَقْف وَالْوَصِيَّة وَنَحْوهَا ( هَذَا مَا اِشْتَرَى فُلَان , أَوْ هَذَا مَا أَصْدَقَ , أَوْ وَقَفَ , أَوْ أَعْتَقَ , وَنَحْوه ) , وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء وَعَلَيْهِ عَمَل الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيع الْأَزْمَان وَجَمِيع الْبُلْدَان مِنْ غَيْر إِنْكَار , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِالِاسْمِ الْمَشْهُور مِنْ غَيْر زِيَادَة خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَة : الْمَذْكُور وَأَبِيهِ وَجَدّه وَنَسَبه. وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِد الصُّلْح عَلَى مَا رَآهُ مَصْلَحَة لِلْمُسْلِمِينَ , وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَر ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاس فِي بَادِئ الرَّأْي. وَفِيهِ : اِحْتِمَال الْمَفْسَدَة الْيَسِيرَة لِدَفْعِ أَعْظَم مِنْهَا أَوْ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَة أَعْظَم مِنْهَا إِذَا لَمْ يُمْكِن ذَلِكَ إِلَّا بِذَلِكَ. قَوْله : ( فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : اُمْحُهُ فَقَالَ : مَا أَنَا بِاَلَّذِي أَمْحَاهُ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( بِاَلَّذِي أَمْحَاهُ ) وَهِيَ لُغَة فِي ( أَمْحُوهُ ) وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - مِنْ بَاب الْأَدَب الْمُسْتَحَبّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْهَم مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتِيم مَحْو عَلِيّ بِنَفْسِهِ , وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِر وَلَوْ حَتَّمَ مَحْوه بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لِعَلِيٍّ تَرْكه , وَلَمَا أَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُخَالَفَة. قَوْله : ( وَلَا يَدْخُلهَا بِسِلَاحٍ إِلَّا جُلُبَّان السِّلَاح ) قَالَ أَبُو إِسْحَاق السَّبِيعِيُّ : ( جُلُبَّان السِّلَاح ) هُوَ الْقِرَاب وَمَا فِيهِ , وَ ( الْجُلُبَّان ) بِضَمِّ الْجِيم , قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق : ضَبَطْنَاهُ ( جُلُبَّان ) بِضَمِّ الْجِيم وَاللَّام وَتَشْدِيد الْبَاء الْمُوَحَّدَة , قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ , وَصَوَّبَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِإِسْكَانِ اللَّام , وَكَذَا ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ , وَصَوَّبَهُ هُوَ وَثَابِت , وَلَمْ يَذْكُر ثَابِت سِوَاهُ , وَهُوَ أَلْطَف مِنْ الْجِرَاب يَكُون مِنْ الْأُدُم , يُوضَع فِيهِ السَّيْف مُغْمَدًا , وَيَطْرَح فِيهِ الرَّاكِب سَوْطه وَأَدَاته , وَيُعَلِّقهُ فِي الرَّحْل , قَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا شَرَطُوا هَذَا لِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَلَّا يَظْهَر مِنْهُ دُخُول الْغَالِبِينَ الْقَاهِرِينَ. وَالثَّانِي : أَنَّهُ إِنْ عَرَضَ فِتْنَة أَوْ نَحْوهَا يَكُون فِي الِاسْتِعْدَاد بِالسِّلَاحِ صُعُوبَة. قَوْله : ( اِشْتَرَطُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّة فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثًا ) قَالَ الْعُلَمَاء : سَبَب هَذَا التَّقْدِير : أَنَّ الْمُهَاجِر مِنْ مَكَّة لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُقِيم بِهَا أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة أَيَّام , وَهَذَا أَصْل فِي أَنَّ الثَّلَاثَة لَيْسَ لَهَا حُكْم الْإِقَامَة , وَأَمَّا مَا فَوْقهَا فَلَهُ حُكْم الْإِقَامَة , قَدْ رَتَّبَ الْفُقَهَاء عَلَى هَذَا قَصْر الصَّلَاة فِيمَنْ نَوَى إِقَامَة فِي بَلَد فِي طَرِيقه , وَقَاسُوا عَلَى هَذَا الْأَصْل مَسَائِل كَثِيرَة.