💡شرح النووي على مسلم
وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَمَا أَشْرَفَ أَحَد يَوْمئِذٍ لَهُمْ إِلَّا أَنَامُوهُ ) , فَمَحْمُول عَلَى مَنْ أَشْرَفَ مُظْهِرًا لِلْقِتَالِ. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( قُلْنَا ذَاكَ يَا رَسُول اللَّه قَالَ : فَمَا اِسْمِي إِذَنْ كَلَّا إِنِّي عَبْد اللَّه وَرَسُوله ) قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل هَذَا وَجْهَيْنِ , أَحَدهمَا : أَنَّهُ أَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي نَبِيّ لِإِعْلَامِي إِيَّاكُمْ بِمَا تَحَدَّثْتُمْ بِهِ سِرًّا. وَالثَّانِي لَوْ فَعَلْت هَذَا الَّذِي خِفْتُمْ مِنْهُ , وَفَارَقْتُكُمْ وَرَجَعْت إِلَى اِسْتِيطَان مَكَّة لَكُنْت نَاقِضًا لِعَهْدِكُمْ فِي مُلَازَمَتكُمْ , وَلَكَانَ هَذَا غَيْر مُطَابِق لِمَا اُشْتُقَّ مِنْهُ اِسْمِي وَهُوَ الْحَمْد , فَإِنِّي كُنْت أُوصَف حِينَئِذٍ بِغَيْرِ الْحَمْد. قَوْله : ( وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَة رَضِي اللَّه عَنْه وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَة فَكَانَ كُلّ رَجُل مِنَّا يَصْنَع طَعَامًا يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ فَكَانَتْ نَوْبَتِي ) فِيهِ : دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب اِشْتَرَاك الْمُسَافِرِينَ فِي الْأَكْل , وَاسْتِعْمَالهمْ مَكَارِم الْأَخْلَاق , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَاب الْمُعَارَضَة حَتَّى يُشْتَرَط فِيهِ الْمُسَاوَاة فِي الطَّعَام , وَأَلَّا يَأْكُل بَعْضهمْ أَكْثَر مِنْ بَعْض , بَلْ هُوَ مِنْ بَاب الْمُرُوءَات وَمَكَارِم الْأَخْلَاق , وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِبَاحَة , فَيَجُوز وَإِنْ تَفَاضَلَ الطَّعَام وَاخْتَلَفَتْ أَنْوَاعه , وَيَجُوز وَإِنْ أَكَلَ بَعْضهمْ أَكْثَر مِنْ بَعْض , لَكِنْ يُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون شَأْنهمْ إِيثَار بَعْضهمْ بَعْضًا. قَوْله : ( فَجَاءُوا إِلَى الْمَنْزِل وَلَمْ يُدْرَك طَعَامنَا فَقُلْت : يَا أَبَا هُرَيْرَة لَوْ حَدَّثْتنَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُدْرَك طَعَامنَا فَقَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح. إِلَى آخِره ) فِيهِ : اِسْتِحْبَاب الِاجْتِمَاع عَلَى الطَّعَام وَجَوَاز دُعَائِهِمْ إِلَيْهِ قَبْل إِدْرَاكه , وَاسْتِحْبَاب حَدِيثهمْ فِي حَال الِاجْتِمَاع بِمَا فِيهِ بَيَان أَحْوَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَغَزَوَاتهمْ وَنَحْوهَا , مِمَّا تَنْشَط النُّفُوس لِسَمَاعِهِ , وَكَذَلِكَ غَيْرهَا مِنْ الْحُرُوب وَنَحْوهَا مِمَّا لَا إِثْم فِيهِ , وَلَا يَتَوَلَّد مِنْهُ فِي الْعَادَة ضُرّ فِي دِين وَلَا دُنْيَا وَلَا أَذًى لِأَحَدٍ لِتَنْقَطِع بِذَلِكَ مُدَّة الِانْتِظَار , وَلَا يَضْجَرُوا , وَلِئَلَّا يَشْتَغِل بَعْضهمْ مَعَ بَعْض فِي غِيبَة أَوْ نَحْوهَا مِنْ الْكَلَام الْمَذْمُوم. وَفِيهِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ إِذَا كَانَ فِي الْجَمْع مَشْهُور بِالْفَضْلِ أَوْ بِالصَّلَاحِ أَنْ يُطْلَب مِنْهُ الْحَدِيث فَإِنْ لَمْ يَطْلُبُوا اُسْتُحِبَّ لَهُ الِابْتِدَاء بِالْحَدِيثِ , كَمَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِيهِمْ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ غَيْر طَلَب مِنْهُمْ. قَوْله : ( وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَة عَلَى الْبَيَاذِقَة وَبَطْن الْوَادِي ) ( الْبَيَاذِقَة ) بِبَاءٍ مُوَحَّدَة ثُمَّ مُثَنَّاة تَحْت وَبِذَالٍ مُعْجَمَة وَقَاف , وَهُمْ الرَّجَّالَة , قَالُوا : وَهُوَ فَارِسِيّ مُعَرَّب , وَأَصْله بِالْفَارِسِيَّةِ : أَصْحَاب رِكَاب الْمَلِك , وَمَنْ يَتَصَرَّف فِي أُمُوره , قِيلَ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِخِفَّتِهِمْ وَسُرْعَة حَرَكَتهمْ , هَكَذَا الرِّوَايَة فِي هَذَا الْحَرْف هُنَا , وَفِي غَيْر مُسْلِم أَيْضًا , قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا رِوَايَتنَا فِيهِ , قَالَ : وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات ( السَّاقَة ) , وَهُمْ الَّذِينَ يَكُونُونَ آخِر الْعَسْكَر , وَقَدْ يُجْمَع بَيْنه وَبَيْن الْبَيَاذِقَة بِأَنَّهُمْ رَجَّالَة وَسَاقَة , وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( الشَّارِفَة ) وَفَسَّرُوهُ بِاَلَّذِينَ يُشْرِفُونَ عَلَى مَكَّة , قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا فِي بَطْن الْوَادِي , وَالْبَيَاذِقَة هُنَا هُمْ الْحُسَّر فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة , وَهُمْ رَجَّالَة لَا دُرُوع عَلَيْهِمْ. قَوْله : ( وَقَالَ مَوْعِدكُمْ الصَّفَا ) يَعْنِي : قَالَ هَذَا لِخَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ الَّذِينَ أَخَذُوا أَسْفَل مِنْ بَطْن الْوَادِي , وَأَخَذَ هُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ أَعْلَى مَكَّة. قَوْله : ( فَمَا أَشْرَفَ لَهُمْ أَحَد إِلَّا أَنَامُوهُ ) أَيْ : مَا ظَهَرَ لَهُمْ أَحَد إِلَّا قَتَلُوهُ فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْض , أَوْ يَكُون بِمَعْنَى أَسْكَنُوهُ بِالْقَتْلِ كَالنَّائِمِ , يُقَال : نَامَتْ الرِّيح إِذَا سَكَنَتْ , وَضَرَبَهُ حَتَّى سَكَنَ , أَيْ : مَاتَ , وَنَامَتْ الشَّاة وَغَيْرهَا مَاتَتْ , قَالَ الْفَرَّاء : النَّائِمَة الْمَيِّتَة , هَكَذَا تَأَوَّلَ هَذِهِ اللَّفْظَة الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَكَّة فُتِحَتْ عَنْوَة , وَمَنْ قَالَ : فُتِحَتْ صُلْحًا , يَقُول أَنَامُوهُ أَلْقَوْهُ إِلَى الْأَرْض مِنْ غَيْر قَتْل إِلَّا مَنْ قَاتَلَ. وَاَللَّه أَعْلَم.