💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( عَنْ أَنَس أَنَّ أُخْت الرُّبَيِّع أُمّ حَارِثَة جَرَحَتْ إِنْسَانًا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْقِصَاص الْقِصَاص , فَقَالَتْ أُمّ الرَّبِيع : يَا رَسُول اللَّه أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلَانَة ؟ ! ! وَاللَّهُ لَا يُقْتَصّ مِنْهَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَان اللَّه يَا أُمّ الرَّبِيع الْقِصَاص كِتَاب اللَّه , قَالَتْ : لَا وَاَللَّه لَا يُقْتَصّ مِنْهَا أَبَدًا , قَالَ : فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ ). هَذِهِ رِوَايَة مُسْلِم , وَخَالَفَهُ الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَته فَقَالَ : عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ عَمَّته الرُّبَيِّع كَسَرَتْ ثَنِيَّة جَارِيَة , وَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْو فَأَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاص , فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ , فَقَالَ أَنَس بْن النَّضْر : يَا رَسُول اللَّه أَتُكْسَرُ ثَنِيَّة الرُّبَيِّع , لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَر ثَنِيَّتهَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كِتَاب اللَّه الْقِصَاص " , فَرَضِيَ الْقَوْم فَعَفَوْا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ " , هَذَا لَفْظ رِوَايَة الْبُخَارِيّ , فَحَصَلَ الِاخْتِلَاف فِي الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم أَنَّ الْجَارِيَة أُخْت الرُّبَيِّع , وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : أَنَّهَا الرُّبَيِّع بِنَفْسِهَا. وَالثَّانِي : أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم : أَنَّ الْحَالِف لَا تَكْسِر ثَنِيَّتهَا هِيَ أُمّ الرَّبِيع بِفَتْحِ الرَّاء , وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : أَنَّهُ أَنَس بْن النَّضْر , قَالَ الْعُلَمَاء : الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات رِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَقَدْ ذَكَرَهَا مِنْ طُرُقه الصَّحِيحَة كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ , وَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب كُتُب السُّنَن , قُلْت : إِنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ , أَمَّا ( الرُّبَيِّع ) الْجَارِحَة فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ , وَأُخْت الْجَارِحَة فِي رِوَايَة مُسْلِم فَهِيَ بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْح الْبَاء وَتَشْدِيد الْيَاء. وَأَمَّا ( أُمّ الرَّبِيع ) الْحَالِفَة فِي رِوَايَة مُسْلِم فَبِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْبَاء وَتَخْفِيف الْيَاء. وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( الْقِصَاص الْقِصَاص ) هُمَا مَنْصُوبَانِ أَيْ : أَدُّوا الْقِصَاص وَسَلِّمُوهُ إِلَى مُسْتَحِقّه. وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كِتَاب اللَّه الْقِصَاص ) أَيْ : حُكْم كِتَاب اللَّه وُجُوب الْقِصَاص فِي السِّنّ , وَهُوَ قَوْله : { وَالسِّنّ بِالسِّنِّ } , وَأَمَّا قَوْله : ( وَاَللَّه لَا يُقْتَصّ مِنْهَا ) فَلَيْسَ مَعْنَاهُ رَدّ حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; بَلْ الْمُرَاد بِهِ الرَّغْبَة إِلَى مُسْتَحِقّ الْقِصَاص أَنْ يَعْفُو , وَإِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَة إِلَيْهِمْ فِي الْعَفْو , وَإِنَّمَا حَلَفَ ثِقَة بِهِمْ أَلَّا يُحْنِثُوهُ , أَوْ ثِقَة بِفَضْلِ اللَّه وَلُطْفه أَلَّا يُحْنِثهُ ; بَلْ يُلْهِمهُمْ الْعَفْو , وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ ) مَعْنَاهُ : لَا يُحْنِثهُ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد : مِنْهَا : جَوَاز الْحَلِف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان. وَمِنْهَا : جَوَاز الثَّنَاء عَلَى مَنْ لَا يَخَاف الْفِتْنَة بِذَلِكَ , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات. وَمِنْهَا : اِسْتِحْبَاب الْعَفْو عَنْ الْقِصَاص. وَمِنْهَا : اِسْتِحْبَاب الشَّفَاعَة فِي الْعَفْو. وَمِنْهَا : أَنَّ الْخِيَرَة فِي الْقِصَاص وَالدِّيَة إِلَى مُسْتَحِقّه لَا إِلَى الْمُسْتَحَقّ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا : إِثْبَات الْقِصَاص بَيْن الرَّجُل وَالْمَرْأَة , وَفِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب : أَحَدهَا : مَذْهَب عَطَاء وَالْحَسَن : أَنَّهُ لَا قِصَاص بَيْنهمَا فِي نَفْس وَلَا طَرَف ; بَلْ تَتَعَيَّن دِيَة الْجِنَايَة تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى }. الثَّانِي : وَهُوَ مَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ ثُبُوت الْقِصَاص بَيْنهمَا فِي النَّفْس وَفِيمَا دُونهَا مِمَّا يَقْبَل الْقِصَاص , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { النَّفْس بِالنَّفْسِ. } إِلَى آخِرهَا , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا , وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ خِلَاف مَشْهُور لِلْأُصُولِيِّينَ , فَإِنَّمَا الْخِلَاف إِذَا لَمْ يَرِد شَرْعُنَا بِتَقْرِيرِهِ وَمُوَافَقَته. فَإِنْ وَرَدَ كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا خِلَاف , وَقَدْ وَرَدَ شَرْعنَا بِتَقْرِيرِهِ فِي حَدِيث أَنَس هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَالثَّالِث وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه يَجِب الْقِصَاص بَيْن الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي النَّفْس , وَلَا يَجِب فِيمَا دُونهَا. وَمِنْهَا وُجُوب الْقِصَاص فِي السِّنّ , وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ إِذَا أَقَلَّهَا كُلّهَا , فَإِنْ كَسَرَ بَعْضهَا فَفِيهِ وَفِي كَسْر سَائِر الْعِظَام خِلَاف مَشْهُور لِلْعُلَمَاءِ , وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاص. وَاللَّهُ أَعْلَم.