💡شرح النووي على مسلم
ذَكَرَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ حُوَيِّصَة وَمُحَيِّصَة بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظه وَطُرُقه , حِين وَجَدَ مُحَيِّصَة اِبْن عَمّه عَبْد اللَّه بْن سَهْل قَتِيلًا بِخَيْبَر , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَوْلِيَائِهِ : ( تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا , وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبكُمْ أَوْ قَاتِلكُمْ ) , وَفِي رِوَايَة : ( تَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ أَوْ صَاحِبكُمْ ). أَمَّا ( حُوَيِّصَة وَمُحَيِّصَة ) فَبِتَشْدِيدِ الْيَاء فِيهِمَا وَبِتَخْفِيفِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي , أَشْهَرهُمَا : التَّشْدِيد , قَالَ الْقَاضِي : حَدِيث الْقَسَامَة أَصْل مِنْ أُصُول الشَّرْع , وَقَاعِدَة مِنْ قَوَاعِد الْأَحْكَام , وَرُكْن مِنْ أَرْكَان مَصَالِح الْعِبَاد , وَبِهِ أَخَذَ الْعُلَمَاء كَافَّة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ عُلَمَاء الْأَمْصَار الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَغَيْرهمْ - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى - وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة الْأَخْذ بِهِ , وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَة إِبْطَال الْقَسَامَة , وَأَنَّهُ لَا حُكْم لَهَا , وَلَا عَمَل بِهَا , وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا سَالِم بْن عَبْد اللَّه وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَةَ وَقَتَادَة وَأَبُو قِلَابَةَ وَمُسْلِم بْن خَالِد وَابْن عُلَيَّةَ وَالْبُخَارِيّ وَغَيْرهمْ , وَعَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ , وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْل عَمْدًا هَلْ يَجِب الْقِصَاص بِهَا ؟ فَقَالَ مُعْظَم الْحِجَازِيِّينَ : يَجِب , وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد وَمَالِك وَأَصْحَابه وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَدَاوُد , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم. وَرُوِيَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز , قَالَ أَبُو الزِّنَاد : قُلْنَا بِهَا وَأَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ , إِنِّي لَأَرَى أَنَّهُمْ أَلْف رَجُل , فَمَا اِخْتَلَفَ مِنْهُمْ اِثْنَانِ , وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ : لَا يَجِب بِهَا الْقِصَاص , وَإِنَّمَا تَجِب الدِّيَة , وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيِّ وَعُثْمَان اللَّيْثِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح , وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ -. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَحْلِف فِي الْقَسَامَة ; فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : يَحْلِف الْوَرَثَة , وَيَجِب الْحَقّ بِحَلِفِهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا , وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح , وَفِيهِ : التَّصْرِيح بِالِابْتِدَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي , وَهُوَ ثَابِت مِنْ طُرُق كَثِيرَة صِحَاح لَا تَنْدَفِع. قَالَ مَالِك : الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْمُدَّعِينَ يَبْدَءُونَ فِي الْقَسَامَة , وَلِأَنَّ جَنَبَة الْمُدَّعِي صَارَتْ قَوِيَّة بِاللَّوْثِ قَالَ الْقَاضِي : وَضَعَّفَ هَؤُلَاءِ رِوَايَة مَنْ رَوَى الِابْتِدَاء بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ , قَالَ أَهْل الْحَدِيث : هَذِهِ الرِّوَايَة وَهْمٌ مِنْ الرَّاوِينَ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الِابْتِدَاء بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَذْكُر رَدَّ الْيَمِين , وَلِأَنَّ مَنْ رَوَى الِابْتِدَاء بِالْمُدَّعِينَ مَعَهُ زِيَادَة , وَرِوَايَاتهَا صِحَاح مِنْ طُرُق كَثِيرَة مَشْهُورَة , فَوَجَبَ الْعَمَل بِهَا وَلَا تُعَارِضهَا رِوَايَة مَنْ نَسِيَ وَقَالَ : كُلّ مَنْ لَمْ يُوجِب الْقِصَاص وَاقْتَصَرَ عَلَى الدِّيَة يَبْدَأ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِلَّا الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد فَقَالَا بِقَوْلِ الْجُمْهُور أَنَّهُ يَبْدَأ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي , فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب قِصَاص وَلَا دِيَة بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى , حَتَّى تَقْتَرِن بِهَا شُبْهَة يَغْلِب الظَّنّ بِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الشُّبْهَة الْمُعْتَبَرَة الْمُوجِبَة لِلْقَسَامَةِ وَلَهَا سَبْع صُوَر : الْأُولَى : أَنْ يَقُول الْمَقْتُول فِي حَيَاته : دَمِي عِنْد فُلَان , وَهُوَ قَتَلَنِي أَوْ ضَرَبَنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَر , أَوْ فَعَلَ بِي هَذَا مِنْ إِنْفَاذ مَقَاتِلِي أَوْ جَرَحَنِي. وَيَذْكُر الْعَمْد فَهَذَا مُوجِب لِلْقَسَامَةِ عِنْد مَالِك وَاللَّيْث , وَادَّعَى مَالِك - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّهُ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا , قَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ يَقُلْ بِهَذَا مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار غَيْرهمَا , وَلَا رُوِيَ عَنْ غَيْرهمَا , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاء كَافَّة فَلَمْ يَرَ أَحَد غَيْرهمَا فِي هَذَا قَسَامَة , وَاشْتَرَطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة وُجُود الْأَثَر وَالْجُرْح فِي كَوْنه قَسَامَة , وَاحْتَجَّ مَالِك فِي ذَلِكَ بِقَضِيَّةِ بَنِي إِسْرَائِيل. وَقَوْله تَعَالَى : { فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّه الْمَوْتَى } قَالُوا : فَحَيِيَ الرَّجُل فَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ , وَاحْتَجَّ أَصْحَاب مَالِك أَيْضًا بِأَنَّ تِلْكَ حَالَة يَطْلُبهَا غَفَلَة النَّاس , فَلَوْ شَرَطْنَا الشَّهَادَة وَأَبْطَلْنَا قَوْل الْمَجْرُوح أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِبْطَال الدِّمَاء غَالِبًا , قَالُوا : وَلِأَنَّهَا حَالَة يَتَحَرَّى فِيهَا الْمَجْرُوح الصِّدْق وَيَتَجَنَّب الْكَذِب وَالْمَعَاصِي , وَيَتَزَوَّد الْبِرَّ وَالتَّقْوَى , فَوَجَبَ قَبُول قَوْله , وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّة فِي أَنَّهُ هَلْ يُكْتَفَى فِي الشَّهَادَة عَلَى قَوْله بِشَاهِدٍ أَمْ لَا بُدّ مِنْ اِثْنَيْنِ. الثَّانِيَة : اللَّوْث مِنْ غَيْر بَيِّنَة عَلَى مُعَايَنَة الْقَتْل , وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ , وَمِنْ اللَّوْث شَهَادَة الْعَدْل وَحْده , وَكَذَا قَوْل جَمَاعَة لَيْسُوا عُدُولًا. وَالثَّالِثَة : إِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ بِالْجُرْحِ فَعَاشَ بَعْده أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ قَبْل أَنْ يُفِيق مِنْهُ , قَالَ مَالِك وَاللَّيْث : هُوَ لَوْث , وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : لَا قَسَامَة هُنَا بَلْ يَجِب الْقِصَاص بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ. الرَّابِعَة : يُوجَد الْمُتَّهَم عِنْد الْمَقْتُول أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ آتِيًا مِنْ جِهَته , وَمَعَهُ آلَة الْقَتْل , وَعَلَيْهِ أَثَره مِنْ لَطْخ دَم غَيْره , وَلَيْسَ هُنَاكَ سَبُع وَلَا غَيْره مِمَّا يُمْكِن إِحَالَة الْقَتْل عَلَيْهِ , أَوْ تَفَرَّقَ جَمَاعَة عَنْ قَتِيل , فَهَذَا لَوْث مُوجِب لِلْقَسَامَةِ عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ. الْخَامِسَة : أَنْ يَقْتَتِل طَائِفَتَانِ فَيُوجَد بَيْنهمَا قَتِيل ; فَفِيهِ الْقَسَامَة عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَعَنْ مَالِك رِوَايَة : لَا قَسَامَة ; بَلْ فِيهِ دِيَة عَلَى الطَّائِفَة الْأُخْرَى إِنْ كَانَ مِنْ أَحَد الطَّائِفَتَيْنِ , وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرهمَا فَعَلَى الطَّائِفَتَيْنِ دِيَته. السَّادِسَة : يُوجَد الْمَيِّت فِي زَحْمَة النَّاس , قَالَ الشَّافِعِيّ : تَثْبُت فِيهِ الْقَسَامَة , وَتَجِب بِهَا الدِّيَة , وَقَالَ مَالِك : هُوَ هَدَر , وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق : تَجِب دِيَة فِي بَيْت الْمَال , وَرُوِيَ مِثْله عَنْ عُمَر وَعَلِيّ. وَالسَّابِعَة : أَنْ يُوجَد فِي مَحَلَّة قَوْم أَوْ قَبِيلَتهمْ أَوْ مَسْجِدهمْ , فَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَغَيْرهمْ : لَا يَثْبُت بِمُجَرَّدِ هَذَا قَسَامَة , بَلْ الْقَتْل هَدَر ; لِأَنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَيُلْقِيه فِي مَحَلَّة طَائِفَة لِيُنْسَب إِلَيْهِمْ , قَالَ الشَّافِعِيّ : إِلَّا أَنْ يَكُون فِي مَحَلَّة أَعْدَائِهِ لَا يُخَالِطهُمْ غَيْرهمْ , فَيَكُون كَالْقِصَّةِ الَّتِي جَرَتْ بِخَيْبَر , فَحَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَسَامَةِ لِوَرَثَةِ الْقَتِيل , لِمَا كَانَ بَيْن الْأَنْصَار وَبَيْن الْيَهُود مِنْ الْعَدَاوَة , وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَاهُمْ , وَعَنْ أَحْمَد نَحْو قَوْل الشَّافِعِيّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيُّ وَمُعْظَم الْكُوفِيِّينَ : وُجُود الْقَتِيل فِي الْمَحَلَّة وَالْقَرْيَة يُوجِب الْقَسَامَة , وَلَا تَثْبُت الْقَسَامَة عِنْدهمْ فِي شَيْء مِنْ الصُّوَر السَّبْع السَّابِقَة إِلَّا هُنَا لِأَنَّهَا عِنْدهمْ هِيَ الصُّورَة الَّتِي حَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِالْقَسَامَةِ , وَلَا قَسَامَة عِنْدهمْ إِلَّا إِذَا وُجِدَ الْقَتِيل وَبِهِ أَثَر , قَالُوا : فَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيل فِي الْمَسْجِد حَلَفَ أَهْل الْمَحَلَّة , وَوَجَبَتْ الدِّيَة فِي بَيْت الْمَال , وَذَلِكَ إِذَا اِدَّعَوْا عَلَى أَهْل الْمَحَلَّة , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وُجُود آخِر الْقَتِيل فِي الْمَحَلَّة يُوجِب الْقَسَامَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَر , وَنَحْوه عَنْ دَاوُدَ , هَذَا كَلَام الْقَاضِي , وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله : ( فَذَهَبَ عَبْد الرَّحْمَن يَتَكَلَّم قَبْل صَاحِبه فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ الْكُبْر فِي السِّنّ فَصَمَتَ وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا ) مَعْنَى هَذَا : أَنَّ الْمَقْتُول هُوَ عَبْد اللَّه وَلَهُ أَخ اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن وَلَهُمَا اِبْنًا عَمّ , وَهُمَا مُحَيِّصَة وَحُوَيِّصَة , وَهُمَا أَكْبَر سِنًّا مِنْ عَبْد الرَّحْمَن , فَلَمَّا أَرَادَ عَبْد الرَّحْمَن أَخُو الْقَتِيل أَنْ يَتَكَلَّم , قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَبِّرْ " أَيْ يَتَكَلَّم أَكْبَر مِنْك. وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَة الدَّعْوَى إِنَّمَا هِيَ لِأَخِيهِ عَبْد الرَّحْمَن لَا حَقَّ فِيهَا لِابْنَيْ عَمّه , وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَكَلَّم الْأَكْبَر , وَهُوَ حُوَيِّصَة , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُرَاد بِكَلَامِهِ حَقِيقَة الدَّعْوَى ; بَلْ سَمَاع صُورَة الْقِصَّة , وَكَيْف جَرَتْ , فَإِذَا أَرَادَ حَقِيقَة الدَّعْوَى تَكَلَّمَ صَاحِبهَا , وَيَحْتَمِل أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن وَكَّلَ حُوَيِّصَة فِي الدَّعْوَى وَمُسَاعَدَته , أَوْ أَمَرَ بِتَوْكِيلِهِ , وَفِي هَذَا فَضِيلَة السِّنّ عِنْد التَّسَاوِي فِي الْفَضَائِل , وَلِهَذَا نَظَائِر فَإِنَّهُ يُقَدَّم بِهَا فِي الْإِمَامَة وَفِي وِلَايَة النِّكَاح نَدْبًا وَغَيْر ذَلِكَ. وَقَوْله ( الْكُبْر فِي السِّنّ ) مَعْنَاهُ يُرِيد الْكُبْر فِي السِّنّ , وَالْكُبْر مَنْصُوب بِإِضْمَارِ يُرِيد وَنَحْوهَا. وَفِي بَعْض النُّسَخ ( لِلْكُبْرِ ) بِاللَّامِ , وَهُوَ صَحِيح. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبكُمْ أَوْ قَاتِلكُمْ ) قَدْ يُقَال كَيْف عُرِضَتْ الْيَمِين عَلَى الثَّلَاثَة , وَإِنَّمَا يَكُون الْيَمِين لِلْوَارِثِ خَاصَّة وَالْوَارِث عَبْد الرَّحْمَن خَاصَّة , وَهُوَ أَخُو الْقَتِيل , وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَابْنَا عَمٍّ لَا مِيرَاث لَهُمَا مَعَ الْأَخ ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدهمْ أَنَّ الْيَمِين تَخْتَصّ بِالْوَارِثِ , فَأَطْلَقَ الْخِطَاب لَهُمْ , وَالْمُرَاد مَنْ تَخْتَصّ بِهِ الْيَمِين , وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لِلْمُخَاطِبِينَ كَمَا سَمِعَ كَلَام الْجَمِيع فِي صُورَة قَتْله , وَكَيْفِيَّة مَا جَرَى لَهُ , وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَة الدَّعْوَى وَقْت الْحَاجَة مُخْتَصَّة بِالْوَارِثِ. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ أَوْ صَابِحكُمْ ) فَمَعْنَاهُ : يَثْبُت حَقّكُمْ عَلَى مَنْ حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ , وَهَلْ ذَلِكَ الْحَقّ قِصَاص أَوْ دِيَة ؟ فِيهِ الْخِلَاف السَّابِق بَيْن الْعُلَمَاء. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَجُوز لَهُمْ الْحَلِف إِذَا عَلِمُوا أَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ , وَإِنَّمَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَمِين إِنْ وَجَدَ فِيهِمْ هَذَا الشَّرْط , وَلَيْسَ الْمُرَاد الْإِذْن لَهُمْ فِي الْحَلِف مِنْ غَيْر ظَنّ , وَلِهَذَا قَالُوا : كَيْف نَحْلِف وَلَمْ نَشْهَد ؟. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتُبْرِئكُمْ يَهُود بِخَمْسِينَ يَمِينًا ) أَيْ تَبْرَأ إِلَيْكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ بِخَمْسِينَ يَمِينًا , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يُخَلِّصُونَكُمْ مِنْ الْيَمِين بِأَنْ يَحْلِفُوا , فَإِذَا حَلَفُوا اِنْتَهَتْ الْخُصُومَة , وَلَمْ يَثْبُت عَلَيْهِمْ شَيْء , وَخَلَصْتُمْ أَنْتُمْ مِنْ الْيَمِين. وَفِي هَذَا دَلِيل لِصِحَّةِ يَمِين الْكَافِر وَالْفَاسِق , ( يَهُود ) مَرْفُوع غَيْر مُنَوَّن لَا يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ اِسْم الْقَبِيلَة وَالطَّائِفَة , فَفِيهِ التَّأْنِيث وَالْعَلَمِيَّة. قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عَقْله ) أَيْ : دِيَته , وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَوَدَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَله ) وَفِي رِوَايَة : ( مِنْ عِنْده ). فَقَوْله : ( وَدَاهُ ) بِتَخْفِيفِ الدَّال , أَيْ : دَفَعَ دِيَته , وَفِي رِوَايَة : ( فَكَرِهَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِل دَمَهُ فَوَدَاهُ مِائَة مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ) إِنَّمَا وَدَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ , وَإِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْن , فَإِنَّ أَهْل الْقَتِيل لَا يَسْتَحِقُّونَ إِلَّا أَنْ يَحْلِفُوا أَوْ يَسْتَحْلِفُوا الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ , وَقَدْ اِمْتَنَعُوا مِنْ الْأَمْرَيْنِ , وَهُمْ مَكْسُورُونَ بِقَتْلِ صَاحِبهمْ , فَأَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَبْرهمْ وَقَطَعَ الْمُنَازَعَة وَإِصْلَاح ذَات الْبَيْن بِدَفْعِ دِيَته مِنْ عِنْده , وَقَوْله : فَوَدَاهُ مِنْ عِنْده ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ خَالِص مَاله فِي بَعْض الْأَحْوَال صَادَفَ ذَلِكَ عِنْده , وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْ مَال بَيْت الْمَال وَمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : ( مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ) , فَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّهَا غَلَط مِنْ الرُّوَاة ; لِأَنَّ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة لَا تُصْرَفُ هَذَا الْمَصْرِف , بَلْ هِيَ لِأَصْنَافٍ سَمَّاهُمْ اللَّه تَعَالَى , وَقَالَ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا : يَجُوز صَرْفهَا مِنْ إِبِل الزَّكَاة لِهَذَا الْحَدِيث , فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ. وَقَالَ جُمْهُور أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ : مَعْنَاهُ اِشْتَرَاهُ مِنْ أَهْل الصَّدَقَات بَعْد أَنْ مَلِكُوهَا ثُمَّ دَفَعَهَا تَبَرُّعًا إِلَى أَهْل الْقَتِيل , وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ يَجُوز صَرْف الزَّكَاة فِي مَصَالِح الْعَامَّة , وَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَيْهِ , وَتَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاء الْقَتِيل كَانُوا مُحْتَاجِينَ مِمَّنْ تُبَاح لَهُمْ الزَّكَاة , وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل ; لِأَنَّ هَذَا قَدْر كَثِير لَا يُدْفَع إِلَى الْوَاحِد الْحَامِل مِنْ الزَّكَاة بِخِلَافِ أَشْرَاف الْقَبَائِل , وَلِأَنَّهُ سَمَّاهُ دِيَة , وَتَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ دَفَعَهُ مِنْ سَهْم الْمُؤَلَّفَة مِنْ الزَّكَاة اِسْتِئْلَافًا لِلْيَهُودِ , لَعَلَّهُمْ يُسْلِمُونَ , وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّ الزَّكَاة لَا يَجُوز صَرْفهَا إِلَى كَافِر , فَالْمُخْتَار مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُور أَنَّهُ اِشْتَرَاهَا مِنْ إِبِل الصَّدَقَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مُرَاعَاة الْمَصَالِح الْعَامَّة , وَالِاهْتِمَام بِإِصْلَاحِ ذَات الْبَيْن. وَفِيهِ : إِثْبَات الْقَسَامَة. وَفِيهِ : الِابْتِدَاء بِيَمِينِ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَة. وَفِيهِ : رَدُّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَة. وَفِيهِ جَوَاز الْحُكْم عَلَى الْغَائِب , وَسَمَاع الدَّعْوَى فِي الدِّمَاء مِنْ غَيْر حُضُور الْخَصْم. وَفِيهِ : جَوَاز الْيَمِين بِالظَّنِّ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّن , وَفِيهِ : أَنَّ الْحُكْم بَيْن الْمُسْلِم وَالْكَافِر يَكُون بِحُكْمِ الْإِسْلَام.