💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَالَ لَهُ صَاحِبه : قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه ) قَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول : بِجَوَازِ اِنْفِصَال الِاسْتِثْنَاء. وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَاحِبه قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ بَعْدُ فِي أَثْنَاء الْيَمِين , أَوْ أَنَّ الَّذِي جَرَى مِنْهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ , فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح بِيَمِينِ. وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَيْم الَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه ) فِيهِ جَوَاز الْيَمِين بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ ( أَيْم اللَّه وَأَيْمَن اللَّه ) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ , فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : هُوَ يَمِين , وَقَالَ أَصْحَابنَا : إِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِين فَهُوَ يَمِين , وَإِلَّا فَلَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا ) فِيهِ : جَوَاز قَوْل ( لَوْ , وَلَوْلَا ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَوْل : ( لَوْ , وَلَوْلَا ) قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآن كَثِيرًا , وَفِي كَلَام الصَّحَابَة وَالسَّلَف , وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا بَاب مَا يَجُوز مِنْ اللَّوّ , وَأَدْخَلَ فِيهِ قَوْل لُوط صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة } وَقَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ كُنْت رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَة لَرَجَمْت هَذِهِ ". وَ " لَوْ مُدَّ لِي الشَّهْر لَوَاصَلْت ". وَ " لَوْلَا حِدْثَان قَوْمك بِالْكُفْرِ لَأَتْمَمْت الْبَيْت عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم ". وَ " لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأً مِنْ الْأَنْصَار " وَأَمْثَال هَذَا , قَالَ : وَاَلَّذِي يُتَفَهَّم مِنْ تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَاب مِنْ الْقُرْآن وَالْآثَار أَنَّهُ يَجُوز اِسْتِعْمَال لَوْ وَلَوْلَا فِيمَا يَكُون لِلِاسْتِقْبَالِ مِمَّا اِمْتَنَعَ مِنْ فِعْله لِامْتِنَاعِ غَيْره , وَهُوَ مِنْ بَاب الْمُمْتَنِع مِنْ فِعْله لِوُجُودِ غَيْره , وَهُوَ مِنْ بَاب لَوْلَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْبَاب سِوَى مَا هُوَ لِلِاسْتِقْبَالِ , أَوْ مَا هُوَ حَقّ صَحِيح مُتَيَقَّن كَحَدِيثِ : " لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأً مِنْ الْأَنْصَار " دُون الْمَاضِي وَالْمُنْقَضِي , أَوْ مَا فِيهِ اِعْتِرَاض عَلَى الْغَيْب وَالْقَدَر السَّابِق , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الْآخَر فِي صَحِيح مُسْلِم قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَإِنْ أَصَابَك شَيْء فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَذَا لَكَانَ كَذَا وَلَكِنْ قُلْ : قَدَّرَ اللَّه وَمَا شَاءَ فَعَلَ " قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : هَذَا إِذَا قَالَهُ عَلَى جِهَة الْحَتْم وَالْقَطْع بِالْغَيْبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا , مِنْ غَيْر ذِكْر مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى. وَالنَّظَر إِلَى سَابِق قَدَره وَخَفِيّ عِلْمه عَلَيْنَا , فَأَمَّا مَنْ قَالَهُ عَلَى التَّسْلِيم وَرَدَّ الْأَمْر إِلَى الْمَشِيئَة فَلَا كَرَاهَة فِيهِ. قَالَ الْقَاضِي : وَأَشَارَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ ( لَوْلَا ) بِخِلَافِ ( لَوْ ) , قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمَا سَوَاء إِذَا اُسْتُعْمِلَتَا فِيمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ الْإِنْسَان عِلْمًا , وَلَا هُوَ دَاخِل تَحْت مَقْدُور قَائِلهمَا مِمَّا هُوَ تَحَكُّم عَلَى الْغَيْب وَاعْتِرَاض عَلَى الْقَدَر , كَمَا نُبِّهَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث وَمِثْل قَوْل الْمُنَافِقِينَ : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا }. { لَوْ كَانُوا عِنْدنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا }. وَ { لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْر شَيْء مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا } فَرَدَّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ بَاطِلهمْ فَقَالَ : ( فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسكُمْ الْمَوْت إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَمِثْل هَذَا هُوَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ. وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيث الَّذِي نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ عَنْ يَقِين نَفْسه أَنَّ سُلَيْمَان لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا إِذْ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُدْرَك بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَاد , وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حَقِيقَة أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِهَا , وَهُوَ نَحْو قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيل لَمْ يَخْنَز اللَّحْم , وَلَوْلَا حَوَّاء لَمْ تَخُنْ اِمْرَأَة زَوْجهَا " فَلَا مُعَارَضَة بَيْن هَذَا وَبَيْن حَدِيث النَّهْي عَنْ ( لَوْ ) وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْل إِلَى مَضَاجِعهمْ } { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ ( لَوْلَا ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ } , { وَلَوْلَا أَنْ يَكُون النَّاس أُمَّة وَاحِدَة لَجَعَلَنَا } { وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنه ) لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى مُخْبِر فِي كُلّ ذَلِكَ عَمَّا مَضَى أَوْ يَأْتِي عَنْ عِلْم خَبَرًا قَطْعِيًّا , وَكُلّ مَا يَكُون مِنْ لَوْ وَلَوْلَا مِمَّا يُخْبِر بِهِ الْإِنْسَان عَنْ عِلَّة اِمْتِنَاعه مِنْ فِعْله مِمَّا يَكُون فِعْله فِي قُدْرَته , فَلَا كَرَاهَة فِيهِ ; لِأَنَّهُ إِخْبَار حَقِيقَة عَنْ اِمْتِنَاع شَيْء لِسَبَبِ شَيْء وَحُصُول شَيْء لِامْتِنَاعِ شَيْء , وَتَأْتِي لَوْ غَالِبًا لِبَيَانِ السَّبَب الْمُوجِب أَوْ النَّافِي , فَلَا كَرَاهَة فِي كُلّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا , إِلَّا أَنْ يَكُون كَاذِبًا فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ : { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ). وَاللَّهُ أَعْلَم.