💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْوَرِق بِالذَّهَبِ رَبًّا إِلَّا هَاء وَهَاء ) فِيهِ لُغَتَانِ الْمَدّ وَالْقَصْر , وَالْمَدّ أَفْصَح وَأَشْهَر , وَأَصْله ( هَاكِ ) فَأُبْدِلَتْ الْمَدَّة مِنْ الْكَاف , وَمَعْنَاهُ : خُذْ هَذَا , وَيَقُول صَاحِبه مِثْله , وَالْمُدَّة مَفْتُوحَة , وَيُقَال بِالْكَسْرِ أَيْضًا , وَمَنْ قَصَرَهُ قَالَ : وَزْنه وَزْن خُفّ يُقَال لِلْوَاحِدِ : ( هَا ) كَخَفْ , وَالِاثْنَيْنِ ( هَاءَا ) كَخَافَا , وَلِلْجَمْعِ ( هَاءُوا ) كَخَافُوا , وَالْمُؤَنَّثَة ( هَاك ) وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع عَلَى هَذِهِ اللُّغَة وَلَا يُغَيِّرهَا فِي التَّأْنِيث , بَلْ يَقُول فِي الْجَمِيع : ( هَا ) قَالَ السِّيرَافِيّ : كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا صَوْتًا كَصَهٍ , وَمَنْ ثَنَّى وَجَمَعَ قَالَ لِلْمُؤَنَّثَةِ : ( هَاك وَهَا ) لُغَتَانِ. وَيُقَال فِي لُغَة : ( هَاء ) بِالْمَدِّ وَكَسْر الْهَمْزَة لِلذَّكَرِ , وَلِلْأُنْثَى ( هَاتِي ) بِزِيَادَةِ تَاء , وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَة يُنْكِرُونَ ( هَا ) بِالْقَصْرِ , وَغَلِطَ الْخَطَّابِيّ وَغَيْره مِنْ الْمُحَدِّثِينَ فِي رِوَايَة الْقَصْر , وَقَالَ : الصَّوَاب الْمَدّ وَالْفَتْح , وَلَيْسَتْ بِغَلَطٍ , بَلْ هِيَ صَحِيحَة كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَة , قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى ( هَاءَك ) بِالْمَدِّ وَالْكَاف , قَالَ الْعُلَمَاء : وَمَعْنَاهُ : التَّقَابُض فَفِيهِ اِشْتِرَاط التَّقَابُض فِي بَيْع الرِّبَوِيّ بِالرِّبَوِيِّ إِذَا اِتَّفَقَا فِي عِلَّة الرِّبَا , سَوَاء اِتَّفَقَ جِنْسهمَا كَذَهَبِ بِذَهَبٍ , أَمْ اِخْتَلَفَ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ , وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِمُخْتَلَفِ الْجِنْس عَلَى مُتَّفِقه , وَاسْتَدَلَّ أَصْحَاب مَالِك بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَط التَّقَابُض عَقِبَ الْعَقْد حَتَّى لَوْ أَخَّرَهُ عَنْ الْعَقْد وَقَبَضَ فِي الْمَجْلِس لَا يَصِحّ عِنْدهمْ. وَمَذْهَبنَا صِحَّة الْقَبْض فِي الْمَجْلِس , وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْعَقْد يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا وَأَكْثَر مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَآخَرُونَ. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِأَصْحَابِ مَالِك , وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يُصَادِف صَاحِب الذَّهَب فَيَأْخُذ الذَّهَب وَيُؤَخِّر دَفْع الدَّرَاهِم إِلَى مَجِيء الْخَادِم , فَإِنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّهُ ظَنَّ جَوَازه كَسَائِرِ الْبِيَاعَات , وَمَا كَانَ بَلَغَهُ حُكْم الْمَسْأَلَة , فَأَبْلَغَهُ إِيَّاهُ إِلَيْهِ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فَتَرَكَ الْمُصَارَفَة.