💡شرح النووي على مسلم
قَوْله عَنْ عُبَيْد بْن جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَر : ( رَأَيْتُك تَصْنَع أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابك يَصْنَعهَا ) إِلَى آخِره , قَالَ الْمَازِرِيُّ : يَحْتَمِل أَنَّ مُرَاده لَا يَصْنَعهَا غَيْرك مُجْتَمِعَة , وَإِنْ كَانَ يَصْنَع بَعْضَهَا. قَوْله : ( رَأَيْتُك لَا تَمَسّ مِنْ الْأَرْكَان إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ ) ثُمَّ ذَكَرَ اِبْن عُمَر فِي جَوَابه : أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ , هُمَا بِتَخْفِيفِ الْيَاء , هَذِهِ اللُّغَة الْفَصِيحَة الْمَشْهُورَة , وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَغَيْره مِنْ الْأَئِمَّة تَشْدِيدهَا فِي لُغَة قَلِيلَة , وَالصَّحِيح التَّخْفِيف , قَالُوا : لِأَنَّ نَسَبه إِلَى الْيَمَن , فَحَقّه أَنْ يُقَال الْيَمَنِيّ , وَهُوَ جَائِز , فَلَمَّا قَالُوا ( الْيَمَانِي ) أَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَى يَاءَيْ النَّسَب أَلِفًا , فَلَوْ قَالُوا الْيَمَانِيّ بِالتَّشْدِيدِ لَزِمَ مِنْهُ الْجَمْع بَيْن الْبَدَل وَالْمُبْدَل , وَاَلَّذِينَ شَدَّدُوهَا قَالُوا : هَذِهِ الْأَلِف زَائِدَة , وَقَدْ تُزَاد فِي النَّسَب كَمَا قَالُوا فِي النَّسَب إِلَى صَنْعَاء : صَنْعَانِيّ , فَزَادُوا النُّون الثَّانِيَة وَإِلَى الرَّيّ : رَازِيّ , فَزَادُوا الزَّاي , إِلَى الرَّقَبَة : رَقَبَانِيّ , فَزَادُوا النُّون , وَالْمُرَاد بِالرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ : الرُّكْن الْيَمَانِي , وَالرُّكْن الَّذِي فِيهِ الْحَجَر الْأَسْوَد , وَيُقَال لَهُ : الْعِرَاقِيّ ; لِكَوْنِهِ إِلَى جِهَة الْعِرَاق ; وَقِيلَ لِلَّذِي قِبَله الْيَمَانِي ; لِأَنَّهُ إِلَى جِهَة الْيَمَن , وَيُقَال لَهُمَا : الْيَمَانِيَانِ تَغْلِيبًا لِأَحَدِ الِاسْمَيْنِ , كَمَا قَالُوا : الْأَبَوَانِ لِلْأَبِ وَالْأُمّ , وَالْقَمَرَانِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَر , وَالْعُمَرَانِ لِأَبِي بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا , وَنَظَائِره مَشْهُورَة , فَتَارَة يُغَلِّبُونَ بِالْفَضِيلَةِ كَالْأَبَوَيْنِ , وَتَارَة بِالْخِفَّةِ كَالْعُمَرَيْنِ , وَتَارَة بِغَيْرِ ذَلِكَ , وَقَدْ بَسَطْته فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات. قَالَ الْعُلَمَاء : وَيُقَال لِلرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْر بِكَسْرِ الْحَاء : الشَّامِيَّانِ ; لِكَوْنِهِمَا بِجِهَةِ الشَّام , قَالُوا : فَالْيَمَانِيَانِ بَاقِيَانِ عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِخِلَافِ الشَّامِيَّيْنِ , فَلِهَذَا لَمْ يُسْتَلَمَا وَاسْتُلِمَ الْيَمَانِيَانِ لِبَقَائِهِمَا عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ إِنَّ الْعِرَاقِيّ مِنْ الْيَمَانِيَيْنِ اُخْتُصَّ بِفَضِيلَةٍ أُخْرَى , وَهِيَ الْحَجَر الْأَسْوَد , فَاخْتُصَّ لِذَلِكَ مَعَ الِاسْتِلَام بِتَقْبِيلِهِ , وَوَضْع الْجَبْهَة عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْيَمَانِي. وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ اِتَّفَقَ أَئِمَّة الْأَمْصَار وَالْفُقَهَاء الْيَوْم عَلَى أَنَّ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ لَا يُسْتَلَمَانِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْخِلَاف فِي ذَلِكَ الْعَصْر الْأَوَّل مِنْ بَعْض الصَّحَابَة وَبَعْض التَّابِعِينَ , ثُمَّ ذَهَبَ. وَقَوْله : ( وَرَأَيْتُك تَلْبَس النِّعَال السِّبْتِيَّة ) , وَقَالَ اِبْن عُمَر فِي جَوَابه : ( وَأَمَّا النِّعَال السِّبْتِيَّة فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَس النِّعَال الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْر , وَيَتَوَضَّأ فِيهَا وَأَنَا أُحِبّ أَنْ أَلْبَسهَا ) فَقَوْله : ( أَلْبَس وَتَلْبَس ) كُلّه بِفَتْحِ الْبَاء , وَأَمَّا ( السِّبْتِيَّة ) فَبِكَسْرِ السِّين وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحَّدَة , وَقَدْ أَشَارَ اِبْن عُمَر إِلَى تَفْسِيرهَا بِقَوْلِهِ : ( الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْر ) , وَهَكَذَا قَالَ جَمَاهِير أَهْل اللُّغَة وَأَهْل الْغَرِيب وَأَهْل الْحَدِيث : إِنَّهَا الَّتِي لَا شَعْر فِيهَا , قَالُوا : وَهِيَ مُشْتَقَّة مِنْ ( السَّبْت ) بِفَتْحِ السِّين وَهُوَ الْحَلْق وَالْإِزَالَة , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : سَبَتَ رَأْسه أَيْ حَلَقَهُ , قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا اِنْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ لَانَتْ , يُقَال : رَطْبَة مُنْسَبِتَة أَيْ لَيِّنَة , قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيُّ : السِّبْت : كُلّ جِلْد مَدْبُوغ , وَقَالَ أَبُو زَيْد : السِّبْت : جُلُود الْبَقَر مَدْبُوغَة كَانَتْ , أَوْ غَيْر مَدْبُوغَة , وَقِيلَ : هُوَ نَوْع مِنْ الدِّبَاغ يَقْلَع الشَّعْر , وَقَالَ اِبْن وَهْب : النِّعَال السِّبْتِيَّة كَانَتْ سُودًا لَا شَعْر فِيهَا. قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا ظَاهِر كَلَام اِبْن عُمَر فِي قَوْله : ( النِّعَال الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْر ) , وَقَالَ : هَذَا لَا يُخَالِف مَا سَبَقَ , فَقَدْ تَكُون سُودًا مَدْبُوغَة بِالْقَرَظِ لَا شَعْر فِيهَا ; لِأَنَّ بَعْض الْمَدْبُوغَات يَبْقَى شَعْرهَا , وَبَعْضهَا لَا يَبْقَى. قَالَ : وَكَانَتْ عَادَة الْعَرَب لِبَاس النِّعَال بِشَعْرِهَا غَيْر مَدْبُوغَة , وَكَانَتْ الْمَدْبُوغَة تُعْمَل بِالطَّائِفِ وَغَيْره , وَإِنَّمَا كَانَ يَلْبَسهَا أَهْل الرَّفَاهِيَة , كَمَا قَالَ شَاعِرهمْ : تَحْذِي نِعَال السِّبْت لَيْسَ بِتَوْأَمٍ قَالَ الْقَاضِي : وَالسِّين فِي جَمِيع هَذَا مَكْسُورَة , قَالَ : وَالْأَصَحّ عِنْدِي أَنْ يَكُون اِشْتِقَاقهَا وَإِضَافَتهَا إِلَى السِّبْت الَّذِي هُوَ الْجِلْد الْمَدْبُوغ أَوْ إِلَى الدِّبَاغَة ; لِأَنَّ السِّين مَكْسُورَة فِي نِسْبَتهَا , وَلَوْ كَانَتْ مِنْ ( السَّبْت ) الَّذِي هُوَ الْحَلْق كَمَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره , لَكَانَتْ النِّسْبَة ( سَبْتِيَّة ) بِفَتْحِ السِّين , وَلَمْ يَرْوِهَا أَحَد فِي هَذَا الْحَدِيث وَلَا فِي غَيْره وَلَا فِي الشِّعْر فِيمَا عَلِمْت إِلَّا بِالْكَسْرِ , هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَ قَوْله : ( وَيَتَوَضَّأ فِيهَا ) مَعْنَاهُ : يَتَوَضَّأ وَيَلْبَسهَا وَرِجْلَاهُ رَطْبَتَانِ. قَوْله : ( وَرَأَيْتُك تَصْبُغ بِالصُّفْرَةِ ) وَقَالَ اِبْن عُمَر فِي جَوَابه : ( وَأَمَّا الصُّفْرَة فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغ بِهَا فَأَنَا أُحِبّ أَنْ أَصْبُغ بِهَا ) فَقَوْله : ( يَصْبُغ وَأَصْبُغ ) بِضَمِّ الْبَاء وَفَتْحهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره , قَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيُّ : قِيلَ : الْمُرَاد فِي هَذَا الْحَدِيث صَبْغ الشَّعْر , وَقِيلَ : صَبْغ الثَّوْب ; قَالَ : وَالْأَشْبَه أَنْ يَكُون صَبْغ الثِّيَاب ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبَغَ , وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَبَغَ شَعْره , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا أَظْهَر الْوَجْهَيْنِ , وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَتْ آثَار عَنْ اِبْن عُمَر بَيَّنَ فِيهَا تَصْفِير اِبْن عُمَر لِحْيَته , وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَفِّر لِحْيَته بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَان , رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَذَكَرَ أَيْضًا فِي حَدِيث آخَر اِحْتِجَاجه بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصْبُغ بِهَا ثِيَابه حَتَّى عِمَامَته. قَوْله : ( وَرَأَيْتُك إِذَا كُنْت بِمَكَّة أَهَلَّ النَّاس إِذَا رَأَوْا الْهِلَال وَلَمْ تُهِلّ أَنْتَ حَتَّى يَكُون يَوْم التَّرْوِيَة ) , وَقَالَ اِبْن عُمَر فِي جَوَابه : ( وَأَمَّا الْإِهْلَال فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلّ حَتَّى تَنْبَعِث بِهِ رَاحِلَته ) أَمَّا ( يَوْم التَّرْوِيَة ) فَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْق , وَهُوَ الثَّامِن مِنْ ذِي الْحِجَّة , سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاس كَانُوا يَتَرَوَّوْنَ فِيهِ مِنْ الْمَاء أَيْ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ مِنْ مَكَّة إِلَى عَرَفَات لِيَسْتَعْمِلُوهُ فِي الشُّرْب وَغَيْره. وَأَمَّا فِقْه الْمَسْأَلَة فَقَالَ الْمَازِرِيُّ : أَجَابَهُ اِبْن عُمَر بِضَرْبٍ مِنْ الْقِيَاس , حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّن مِنْ الِاسْتِدْلَال بِنَفْسِ فِعْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَة بِعَيْنِهَا , فَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي مَعْنَاهُ , وَوَجْه قِيَاسه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَحْرَمَ عِنْد الشُّرُوع فِي أَفْعَال الْحَجّ وَالذَّهَاب إِلَيْهِ , فَأَخَّرَ اِبْن عُمَر الْإِحْرَام إِلَى حَال شُرُوعه فِي الْحَجّ وَتَوَجُّهه إِلَيْهِ , وَهُوَ يَوْم التَّرْوِيَة , فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَخْرُجُونَ مِنْ مَكَّة إِلَى مِنًى , وَوَافَقَ اِبْن عُمَر عَلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابه , وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك وَغَيْرهمْ , وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَفْضَل أَنْ يُحْرِم مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّة , وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ أَكْثَر الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء , وَالْخِلَاف فِي الِاسْتِحْبَاب , وَكُلّ مِنْهُمَا جَائِز بِالْإِجْمَاعِ. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله ( اِبْن قُسَيْط ) هُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , بِقَافٍ مَضْمُومَة وَسِين مُهْمَلَة مَفْتُوحَة وَإِسْكَان الْيَاء.