💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( قَبَّلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب الْحَجَر ثُمَّ قَالَ : أَمَ وَاَللَّه لَقَدْ عَلِمْت أَنَّك حَجَر وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلك مَا قَبَّلْتُك ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّك حَجَر وَأَنَّك لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع ). هَذَا الْحَدِيث فِيهِ فَوَائِد مِنْهَا : اِسْتِحْبَاب تَقْبِيل الْحَجَر الْأَسْوَد فِي الطَّوَاف بَعْد اِسْتِلَامه , وَكَذَا يُسْتَحَبّ السُّجُود عَلَى الْحَجَر أَيْضًا بِأَنْ يَضَع جَبْهَته عَلَيْهِ , فَيُسْتَحَبّ أَنْ يَسْتَلِمهُ ثُمَّ يُقَبِّلهُ , ثُمَّ يَضَع جَبْهَته عَلَيْهِ. هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور , وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن عَبَّاس وَطَاوُسٍ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد , قَالَ : وَبِهِ أَقُول , قَالَ : وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَانْفَرَدَ مَالِك عَنْ الْعُلَمَاء فَقَالَ : السُّجُود عَلَيْهِ بِدْعَة , وَاعْتَرَفَ الْقَاضِي عِيَاض الْمَالِكِيّ بِشُذُوذِ مَالِك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَنْ الْعُلَمَاء , وَأَمَّا الرُّكْن الْيَمَانِي فَيَسْتَلِمهُ وَلَا يُقَبِّلهُ , بَلْ يُقَبِّل الْيَد بَعْد اِسْتِلَامه , هَذَا مَذْهَبنَا , وَبِهِ قَالَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَأَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَة , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَسْتَلِمهُ , وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد : يَسْتَلِمهُ وَلَا يُقَبِّل الْيَد بَعْده , وَعَنْ مَالِك رِوَايَة أَنَّهُ يُقَبِّلهُ , وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة أَنَّهُ يُقَبِّلهُ , وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْل عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : ( لَقَدْ عَلِمْت أَنَّك حَجَر وَإِنِّي لَأَعْلَم أَنَّك حَجَر وَأَنَّك لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع ) فَأَرَادَ بِهِ بَيَان الْحَثّ عَلَى الِاقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَقْبِيله , وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا الِاقْتِدَاء بِهِ لَمَا فَعَلَهُ , وَإِنَّمَا قَالَ : وَإِنَّك لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع ; لِئَلَّا يَغْتَرّ بَعْض قَرِيبِي الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ الَّذِينَ كَانُوا أَلِفُوا عِبَادَة الْأَحْجَار وَتَعْظِيمهَا وَرَجَاء نَفْعهَا , وَخَوْف الضَّرَر بِالتَّقْصِيرِ فِي تَعْظِيمهَا , وَكَانَ الْعَهْد قَرِيبًا بِذَلِكَ , فَخَافَ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنْ يَرَاهُ بَعْضهمْ يُقَبِّلهُ , وَيَعْتَنِي بِهِ , فَيَشْتَبِه عَلَيْهِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَع بِذَاتِهِ , وَإِنْ كَانَ اِمْتِثَال مَا شَرَعَ فِيهِ يَنْفَع بِالْجَزَاءِ وَالثَّوَاب فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا قُدْرَة لَهُ عَلَى نَفْع وَلَا ضَرّ , وَأَنَّهُ حَجَر مَخْلُوق كَبَاقِي الْمَخْلُوقَات الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع وَأَشَاعَ عُمَر هَذَا فِي الْمَوْسِم ; لِيُشْهَد فِي الْبُلْدَان , وَيَحْفَظهُ عَنْهُ أَهْل الْمَوْسِم الْمُخْتَلِفُو الْأَوْطَان. وَاَللَّه أَعْلَم.