💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَاف الْأَوَّل خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ) قَوْله : ( خَبَّ ) هُوَ الرَّمَل بِفَتْحِ الرَّاء وَالْمِيم , فَالرَّمَل وَالْخَبَب بِمَعْنًى وَاحِد , وَهُوَ إِسْرَاع الْمَشْي مَعَ تَقَارُب الْخُطَى , وَلَا يَثِب وَثْبًا , وَالرَّمَل مُسْتَحَبّ فِي الطَّوْفَات الثَّلَاث الْأُوَل مِنْ السَّبْع , وَلَا يُسَنّ ذَلِكَ إِلَّا فِي طَوَاف الْعُمْرَة , وَفِي طَوَاف وَاحِد فِي الْحَجّ , وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الطَّوَاف , وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحّهمَا : أَنَّهُ إِنَّمَا يَشْرَع فِي طَوَاف يَعْقُبهُ سَعْي , وَيُتَصَوَّر ذَلِكَ فِي طَوَاف الْقُدُوم , وَيُتَصَوَّر فِي طَوَاف الْإِفَاضَة , وَلَا يُتَصَوَّر فِي طَوَاف الْوَدَاع ; لِأَنَّ شَرْط طَوَاف الْوَدَاع أَنْ يَكُون قَدْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ , فَعَلَى هَذَا الْقَوْل إِذَا طَافَ لِلْقُدُومِ وَفِي نِيَّته أَنَّهُ يَسْعَى بَعْده اُسْتُحِبَّ الرَّمَل فِيهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي نِيَّته لَمْ يَرْمُل فِيهِ , بَلْ يَرْمُل فِي طَوَاف الْإِفَاضَة. وَالْقَوْل الثَّانِي : أَنَّهُ يَرْمُل فِي طَوَاف الْقُدُوم سَوَاء أَرَادَ السَّعْي بَعْده أَمْ لَا , وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ أَصْحَابنَا : فَلَوْ أَخَلَّ بِالرَّمَلِ فِي الثَّلَاث الْأُوَل مِنْ السَّبْع لَمْ يَأْتِ بِهِ مِنْ الْأَرْبَع الْأَوَاخِر ; لِأَنَّ السُّنَّة فِي الْأَرْبَع الْأَخِيرَة الْمَشْي عَلَى الْعَادَة فَلَا يُغَيِّرهُ , وَلَوْ لَمْ يُمْكِنهُ الرَّمَل لِلزَّحْمَةِ أَشَارَ فِي هَيْئَة مَشْيه إِلَى صِفَة الرَّمَل , وَلَوْ لَمْ يُمْكِنهُ الرَّمَل بِقُرْبِ الْكَعْبَة لِلزَّحْمَةِ وَأَمْكَنَهُ إِذَا تَبَاعَدَ عَنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَبَاعَد وَيَرْمُل ; لِأَنَّ فَضِيلَة الرَّمَل هَيْئَة لِلْعِبَادَةِ فِي نَفْسهَا , وَالْقُرْب مِنْ الْكَعْبَة هَيْئَة فِي مَوْضِع الْعِبَادَة لَا فِي نَفْسهَا , فَكَانَ تَقْدِيم مَا تَعَلَّقَ بِنَفْسِهَا أَوْلَى , وَاَللَّه أَعْلَم. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الرَّمَل لَا يُشْرَع لِلنِّسَاءِ كَمَا لَا يُشْرَع لَهُنَّ شِدَّة السَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَلَوْ تَرَكَ الرَّجُل الرَّمَل حَيْثُ شُرِعَ لَهُ فَهُوَ تَارِك سُنَّة وَلَا شَيْء عَلَيْهِ. هَذَا مَذْهَبنَا , وَاخْتَلَفَ أَصْحَاب مَالِك فَقَالَ بَعْضهمْ : عَلَيْهِ دَم , وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا دَم عَلَيْهِ , كَمَذْهَبِنَا. قَوْله : ( وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيل إِذَا طَافَ بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة ) هَذَا مُجْمَع عَلَى اِسْتِحْبَابه , وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا سَعَى بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكُون سَعْيه شَدِيدًا فِي بَطْن الْمَسِيل , وَهُوَ قَدْر مَعْرُوف , وَهُوَ مِنْ قَبْل وُصُوله إِلَى الْمَيْل الْأَخْضَر الْمُعَلَّق بِفِنَاءِ الْمَسْجِد إِلَى أَنْ يُحَاذِي الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِد وَدَار الْعَبَّاس , وَاَللَّه أَعْلَم.