نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْىَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَرُحْنَا إِلَى مِنًى أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ .
(نصرخ بالحج صراخا) أي نرفع أصواتنا بالتلبية للحج. (ورحنا إلى منى) معناه أردنا الرواح، فإن الإهلال قبل الرواح.
قَوْله : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصْرُخ بِالْحَجِّ صُرَاخًا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّة أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلهَا عُمْرَة إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْي , فَلَمَّا كَانَ يَوْم التَّرْوِيَة وَرُحْنَا إِلَى مِنًى أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ ) فِيهِ اِسْتِحْبَاب رَفْع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ , وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون رَفْعًا مُقْتَصَدًا بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي نَفْسه. وَالْمَرْأَة لَا تَرْفَع بَلْ تُسْمِع نَفْسهَا لِأَنَّ صَوْتهَا مَحَلّ فِتْنَة. وَرَفْع الرَّجُل مَنْدُوب عِنْد الْعُلَمَاء كَافَّة. وَقَالَ أَهْل الظَّاهِر : هُوَ وَاجِب وَيَرْفَع الرَّجُل صَوْته بِهَا فِي غَيْر الْمَسَاجِد وَفِي مَسْجِد مَكَّة وَمِنًى وَعَرَفَات , وَأَمَّا سَائِر الْمَسَاجِد فَفِي رَفْعه فِيهَا خِلَاف لِلْعُلَمَاءِ , وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك أَصَحّهمَا اِسْتِحْبَاب الرَّفْع كَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَة. وَالثَّانِي لَا يَرْفَع لِئَلَّا يُهَوِّش عَلَى النَّاس بِخِلَافِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة لِأَنَّهَا مَحَلّ الْمَنَاسِك. وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ , وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ , وَفِيهِ حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ الْمُسْتَحَبّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَكُون إِحْرَامه بِالْحَجِّ يَوْم التَّرْوِيَة , وَهُوَ الثَّامِن مِنْ ذِي الْحِجَّة عِنْد إِرَادَته التَّوَجُّه إِلَى مِنًى , وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة مَرَّات. قَوْله : ( وَرُحْنَا إِلَى مِنًى ) مَعْنَاهُ أَرَدْنَا الرَّوَاح , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان الْخِلَاف فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الرَّوَاح إِلَى مِنًى يَوْم التَّرْوِيَة مِنْ أَوَّل النَّهَار أَوْ بَعْد الزَّوَال. وَاَللَّه أَعْلَم.
