📚 التخريج و شرح الألفاظ
(عام حجة الوداع) هي السنة العاشرة للهجرة المقدسة. والحجة، بفتح الحاء، المرة الواحدة من الحج. وسميت، حجته عليه السلام هذه، حجة الوداع لوداعه الناس فيها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها. (من كان معه هدي) يقال: هدي وهدي. لغتان مشهورتان. الأولى أفصح وأشهر. وهو اسم لما يهدي إلى الحرم من الأنعام. وسوق الهدي سنة لمن أراد أن يحرم بحج أو عمرة. (ولابين الصفا والمروة) أي ولم أسع بينهما. إذ لا يصح السعي إلا بعد الطواف. (انقضي رأسك) أي حلي ضفر شعره بأصابعك أولا (وامتشطي) أي سرحية بالمشط. (إلى التنعيم) هو موضع قريب من مكة بينه وبينها فرسخ. (هذه مكان عمرتك) نصب مكان على الظرف. أي بدل عمرتك. وقيل معناه مكان عمرتك التي تركتها لأجل. حيضتك. ويجوز الرفع، خبرا لقوله هذه.
💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام حَجَّة الْوَدَاع , فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْي فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَة , ثُمَّ لَا يَحِلّ حَتَّى يَحِلّ مِنْهُمَا جَمِيعًا ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : الَّذِي تَدُلّ عَلَيْهِ نُصُوص الْأَحَادِيث فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة عَائِشَة وَجَابِر وَغَيْرهمَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْل بَعْد إِحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِمْ وَدُنُوّهمْ مِنْ مَكَّة بِسَرِفَ , كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة عَائِشَة أَوْ بَعْد طَوَافه بِالْبَيْتِ وَسَعْيه كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة جَابِر , وَيُحْتَمَل تَكْرَار الْأَمْر بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَأَنَّ الْعَزِيمَة كَانَتْ آخِرًا حِين أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْي ) يُقَال : ( هَدْي ) بِإِسْكَانِ الدَّال وَتَخْفِيف الْيَاء وَ ( هَدِيّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَتَشْدِيد الْيَاء لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , الْأُولَى أَفْصَح وَأَشْهَر , وَهُوَ اِسْم لِمَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَم مِنْ الْأَنْعَام. وَسَوْق الْهَدْي سُنَّة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِم بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لَمَّا مَضَتْ مَعَ أَخِيهَا عَبْد الرَّحْمَن لِيُعْمِرهَا مِنْ التَّنْعِيم : ( هَذِهِ مَكَان عُمْرَتك ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَكُون لَهَا عُمْرَة مُنْفَرِدَة عَنْ الْحَجّ , كَمَا حَصَلَ لِسَائِرِ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرهنَّ مِنْ الصَّحَابَة الَّذِين فَسَخُوا الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة , وَأَتَمُّوا الْعُمْرَة وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا قَبْل يَوْم التَّرْوِيَة , ثُمَّ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّة يَوْم التَّرْوِيَة , فَحَصَلَ لَهُمْ عُمْرَة مُنْفَرِدَة وَحَجَّة مُنْفَرِدَة , وَأَمَّا عَائِشَة فَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا عُمْرَة مُنْدَرِجَة فِي حَجَّة بِالْقِرَانِ , فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم النَّفْر : ( يَسَعك طَوَافك لِحَجِّك وَعُمْرَتك ) أَيْ وَقَدْ تَمَّا وَحُسِبَا لَك جَمِيعًا , فَأَبَتْ وَأَرَادَتْ عُمْرَة مُنْفَرِدَة , كَمَا حَصَلَ لِبَاقِي النَّاس , فَلَمَّا اِعْتَمَرَتْ عُمْرَة مُنْفَرِدَة قَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذِهِ مَكَان عُمْرَتك ) , أَيْ الَّتِي كُنْت تُرِيدِينَ حُصُولهَا مُنْفَرِدَة غَيْر مُنْدَرِجَة فَمَنَعَك الْحَيْض مِنْ ذَلِكَ , وَهَكَذَا يُقَال فِي قَوْلهَا : ( يَرْجِع النَّاس بِحَجٍّ وَعُمْرَة وَأَرْجِع بِحَجٍّ ) أَيْ يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِد وَعُمْرَة مُنْفَرِدَة , وَأَرْجِع أَنَا وَلَيْسَ لِي عُمْرَة مُنْفَرِدَة , وَإِنَّمَا حَرَصَتْ عَلَى ذَلِكَ لِتُكْثِر أَفْعَالهَا. وَفِي هَذَا تَصْرِيح بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُول : الْقِرَان أَفْضَل. وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُنْقُضِي رَأْسك وَامْتَشِطِي ) فَلَا يَلْزَم مِنْهُ إِبْطَال الْعُمْرَة ; لِأَنَّ نَقْض الرَّأْس وَالِامْتِشَاط جَائِزَانِ عِنْدنَا فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا يَنْتِف شَعْرًا , وَلَكِنْ يُكْرَه الِامْتِشَاط إِلَّا لِعُذْرٍ , وَتَأَوَّلَ الْعُلَمَاء فِعْل عَائِشَة هَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْذُورَة , بِأَنْ كَانَ فِي رَأْسهَا أَذًى , فَأَبَاحَ لَهَا الِامْتِشَاط كَمَا أَبَاحَ لِكَعْبِ بْن عُجْرَة الْحَلْق لِلْأَذَى , وَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَاد بِالِامْتِشَاطِ هُنَا حَقِيقَة الِامْتِشَاط بِالْمُشْطِ , بَلْ تَسْرِيح الشَّعْر بِالْأَصَابِعِ لِلْغُسْلِ لِإِحْرَامِهَا بِالْحَجِّ , لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ لَبَّدَتْ رَأْسهَا كَمَا هُوَ السُّنَّة , وَكَمَا فَعَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَا يَصِحّ غَسْلهَا إِلَّا بِإِيصَالِ الْمَاء إِلَى جَمِيع شَعْرهَا , وَيَلْزَم مِنْ هَذَا نَقْضه. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْلهَا : ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْقَارِن يَكْفِيه طَوَاف وَاحِد عَنْ طَوَاف الرُّكْن , وَأَنَّهُ يَقْتَصِر عَلَى أَفْعَال الْحَجّ , وَتَنْدَرِج أَفْعَال الْعُمْرَة كُلّهَا فِي أَفْعَال الْحَجّ , وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ , وَهُوَ مَحْكِيّ عَنْ اِبْن عُمَر وَجَابِر وَعَائِشَة وَمَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُد , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَلْزَمهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ , وَهُوَ مَحْكِيّ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن مَسْعُود وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ. وَاَللَّه أَعْلَم.