💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ مَا يَلْبَس الْمُحْرِم : ( لَا تَلْبَسُوا الْقُمُص وَلَا الْعَمَائِم وَلَا السَّرَاوِيلَات وَلَا الْبَرَانِس وَلَا الْخِفَاف إِلَّا أَحَد لَا يَجِد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَاب شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَان وَلَا الْوَرْس ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا مِنْ بَدِيع الْكَلَام وَجَزِله ; فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسهُ الْمُحْرِم فَقَالَ : لَا يَلْبَس كَذَا وَكَذَا , فَحَصَلَ فِي الْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْبَس الْمَذْكُورَات , وَيَلْبَس مَا سِوَى ذَلِكَ , وَكَانَ التَّصْرِيح بِمَا لَا يَلْبَس أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مُنْحَصِر , وَأَمَّا الْمَلْبُوس الْجَائِز لِلْمُحْرِمِ فَغَيْر مُنْحَصِر فَضُبِطَ الْجَمِيع بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَلْبَس كَذَا وَكَذَا ) يَعْنِي : وَيَلْبَس مَا سِوَاهُ , وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِلْمُحْرِمِ لُبْس شَيْء مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَات , وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيل عَلَى جَمِيع مَا فِي مَعْنَاهُمَا , وَهُوَ مَا كَانَ مُحِيطًا أَوْ مَخِيطًا مَعْمُولًا عَلَى قَدْر الْبَدَن أَوْ قَدْر عُضْو مِنْهُ , كَالْجَوْشَنِ وَالتُّبَّان وَالْقُفَّاز وَغَيْرهَا , وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِس عَلَى كُلّ سَاتِر لِلرَّأْسِ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْره , حَتَّى الْعِصَابَة فَإِنَّهَا حَرَام , فَإِنْ اِحْتَاجَ إِلَيْهَا لِشَجَّةٍ أَوْ صُدَاع أَوْ غَيْرهمَا شَدَّهَا وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَة , وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِفَافِ عَلَى كُلّ سَاتِر لِلرِّجْلِ مِنْ مَدَاس وَجُمْجُم وَجَوْرَب وَغَيْرهَا , وَهَذَا كُلّه حُكْم الرِّجَال , وَأَمَّا الْمَرْأَة فَيُبَاح لَهَا سَتْر جَمِيع بَدَنهَا بِكُلِّ سَاتِر مِنْ مَخِيط وَغَيْره , إِلَّا سَتْر وَجْههَا فَإِنَّهُ حَرَام بِكُلِّ سَاتِر , وَفِي سَتْر يَدَيْهَا بِالْقُفَّازَيْنِ خِلَاف لِلْعُلَمَاءِ , وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحّهمَا : تَحْرِيمه , وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَان عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُمَا , وَهُوَ الطِّيب , فَيَحْرُم عَلَى الرَّجُل وَالْمَرْأَة جَمِيعًا فِي الْإِحْرَام جَمِيع أَنْوَاع الطِّيب , وَالْمُرَاد مَا يُقْصَد بِهِ الطِّيب , وَأَمَّا الْفَوَاكِه كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاح وَأَزْهَار الْبَرَارِي كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُوم وَنَحْوهمَا , فَلَيْسَ بِحَرَامٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْصَد لِلطِّيبِ , قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي تَحْرِيم اللِّبَاس الْمَذْكُور عَلَى الْمُحْرِم وَلِبَاسه الْإِزَار وَالرِّدَاء أَنْ يَبْعُد عَنْ التَّرَفُّه وَيَتَّصِف بِصِفَةِ الْخَاشِع الذَّلِيل ; وَلْيَتَذَكَّرْ أَنَّهُ مُحْرِم فِي كُلّ وَقْت , فَيَكُون أَقْرَب إِلَى كَثْرَة أَذْكَاره , وَأَبْلَغ فِي مُرَاقَبَته وَصِيَانَته لِعِبَادَتِهِ , وَامْتِنَاعه مِنْ اِرْتِكَاب الْمَحْظُورَات ; وَلِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْمَوْت وَلِبَاس الْأَكْفَان , وَيَتَذَكَّر الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة , وَالنَّاس حُفَاة عُرَاة مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي , وَالْحِكْمَة فِي تَحْرِيم الطِّيب وَالنِّسَاء : أَنْ يَبْعُد عَنْ التَّرَفُّه وَزِينَة الدُّنْيَا وَمَلَاذّهَا , وَيَجْتَمِع هَمّه لِمَقَاصِد الْآخِرَة , وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا أَحَد لَا يَجِد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ , وَذَكَرَ مُسْلِم بَعْد هَذَا مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس وَجَابِر : ( مَنْ لَمْ يَجِد نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ) وَلَمْ يَذْكُر قَطْعهمَا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ أَحْمَد : يَجُوز لُبْس الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا , وَلَا يَجِب قَطْعهمَا ; لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس وَجَابِر , وَكَانَ أَصْحَابه يَزْعُمُونَ نَسْخ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمُصَرِّح بِقَطْعِهِمَا , وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعهمَا إِضَاعَة مَال , وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء : لَا يَجُوز لُبْسهمَا إِلَّا بَعْد قَطْعهمَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ ; لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر , قَالُوا : وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس وَجَابِر مُطْلَقَانِ , فَيَجِب حَمْلهمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ , لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر , فَإِنَّ الْمُطْلَق يُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّد , وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة , وَقَوْلهمْ : إِنَّهُ إِضَاعَة مَال لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْإِضَاعَة إِنَّمَا تَكُون فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ , وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْع بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ , بَلْ حَقّ يَجِب الْإِذْعَان لَهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. ثُمَّ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي لَابِس الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ , هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَة أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا : لَا شَيْء عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِدْيَة لَبَيَّنَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : عَلَيْهِ الْفِدْيَة كَمَا إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى حَلْق الرَّأْس يَحْلِقهُ وَيَفْدِي. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَاب شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَان وَلَا الْوَرْس ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم لِبَاسهمَا لِكَوْنِهِمَا طِيبًا , وَأَلْحَقُوا بِهِمَا جَمِيع أَنْوَاع مَا يُقْصَد بِهِ الطِّيب , وَسَبَب تَحْرِيم الطِّيب أَنَّهُ دَاعِيَة إِلَى الْجِمَاع ; وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّل الْحَاجّ , فَإِنَّ الْحَاجّ أَشْعَث أَغْبَر , وَسَوَاء فِي تَحْرِيم الطِّيب الرَّجُل وَالْمَرْأَة , وَكَذَا جَمِيع مُحَرَّمَات الْإِحْرَام سِوَى اللِّبَاس كَمَا سَبَقَ بَيَانه. وَمُحَرَّمَات الْإِحْرَام سَبْعَة : اللِّبَاس بِتَفْصِيلِهِ السَّابِق , وَالطِّيب , وَإِزَالَة الشَّعْر وَالظُّفْر , وَدَهْن الرَّأْس وَاللِّحْيَة , وَعَقْد النِّكَاح وَالْجِمَاع , وَسَائِر الِاسْتِمْتَاع حَتَّى الِاسْتِمْنَاء , وَالسَّابِع : إِتْلَاف الصَّيْد. وَاَللَّه أَعْلَم. وَإِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ مَا نُهِيَ عَنْهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَة إِنْ كَانَ عَامِدًا بِالْإِجْمَاعِ , وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا فِدْيَة عِنْد الثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك , وَلَا يَحْرُم الْمُعَصْفَر عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ , وَحَرَّمَهُ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَجَعَلَاهُ طِيبًا , وَأَوْجَبَا فِيهِ الْفِدْيَة , وَيُكْرَه لِلْمُحْرِمِ لُبْس الثَّوْب الْمَصْبُوغ بِغَيْرِ طِيب , وَلَا يَحْرُم. وَاَللَّه أَعْلَم.