💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ بِحَسْبِك أَنْ تَصُومَ ) مَعْنَاهُ : يَكْفِيك أَنْ تَصُوم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلِزَوْرِك عَلَيْك حَقًّا ) أَيْ زَائِرك , وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ قَرِيبًا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ , ثُمَّ قَالَ : فِي كُلّ عِشْرِينَ , ثُمَّ قَالَ : فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ ) هَذَا مِنْ نَحْو مَا سَبَقَ مِنْ الْإِرْشَاد إِلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ , وَالْإِرْشَادِ إِلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ , وَقَدْ كَانَتْ لِلسَّلَفِ عَادَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فِيمَا يَقْرَءُونَ كُلَّ يَوْمٍ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ وَوَظَائِفِهِمْ , فَكَانَ بَعْضهمْ يَخْتِم الْقُرْآن فِي كُلّ شَهْر وَبَعْضهمْ فِي عِشْرِينَ يَوْمًا , وَبَعْضُهُمْ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ , وَبَعْضُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِي سَبْعَةٍ , وَكَثِير مِنْهُمْ فِي ثَلَاثَة , وَكَثِير فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَة , وَبَعْضهمْ فِي كُلّ لَيْلَةٍ , وَبَعْضُهُمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ , وَبَعْضهمْ ثَمَان خَتَمَات وَهُوَ أَكْثَر مَا بَلَغْنَا , وَقَدْ أَوْضَحْت هَذَا كُلّه مُضَافًا إِلَى فَاعِلِيهِ وَنَاقِلِيهِ فِي كِتَاب آدَاب الْقُرَّاء , مَعَ جُمَلٍ مِنْ نَفَائِسَ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ , وَالْمُخْتَار أَنَّهُ يُسْتَكْثَر مِنْهُ مَا يُمْكِنُهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ , وَلَا يَعْتَاد إِلَّا مَا يَغْلِب عَلَى ظَنِّهِ الدَّوَامَ عَلَيْهِ فِي حَالِ نَشَاطِهِ وَغَيْره , هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ وَظَائِفُ عَامَّةٌ أَوْ خَاصَّةٌ يَتَعَطَّل بِإِكْثَارِ الْقُرْآنِ عَنْهَا , فَإِنْ كَانَتْ لَهُ وَظِيفَةٌ عَامَّةٌ كَوِلَايَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَلْيُوَظِّفْ لِنَفْسِهِ قِرَاءَة يُمْكِنُهُ الْمُحَافَظَة عَلَيْهَا مَعَ نَشَاطِهِ وَغَيْره مِنْ غَيْر إِخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْ كَمَالِ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ , وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ السَّلَف. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله : ( وَدِدْت أَنِّي كُنْت قَبِلْت رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مَعْنَاهُ : أَنَّهُ كَبِرَ وَعَجَزَ عَنْ الْمُحَافَظَة عَلَى مَا اِلْتَزَمَهُ وَوَظَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَشَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ , وَلَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( يَا عَبْد اللَّه لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ , فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ ). وَفِي هَذَا الْحَدِيث وَكَلَام اِبْن عَمْرو أَنَّهُ يَنْبَغِي الدَّوَام عَلَى مَا صَارَ عَادَة مِنْ الْخَيْر وَلَا يُفَرَّط فِيهِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ لِوَلَدِك عَلَيْك حَقًّا ) فِيهِ أَنَّ عَلَى الْأَبِ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ وَتَعْلِيمَهُ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ وَظَائِف الدِّين , وَهَذَا التَّعْلِيم وَاجِب عَلَى الْأَب وَسَائِر الْأَوْلِيَاء قَبْل بُلُوغ الصَّبِيّ وَالصَّبِيَّة. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه. قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه : وَعَلَى الْأُمَّهَات أَيْضًا هَذَا التَّعْلِيم إِذَا لَمْ يَكُنْ أَب , لِأَنَّهُ مِنْ بَاب التَّرْبِيَة , وَلَهُنَّ مَدْخَل فِي ذَلِكَ وَأُجْرَةُ هَذَا التَّعْلِيم فِي مَالِ الصَّبِيِّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.