" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ " . بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ - قَالاَ جَمِيعًا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " . ثُمَّ قَرَأَ { إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}
(إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر) معناه إنما أنت واعظ. والمسيطر: المسلط. وقيل: الجبار. وقيل: الرب.
فِيهِ حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. فَقَوْله عَنْ أَبِي صَالِح يَعْنِي رَوَاهُ الْأَعْمَش أَيْضًا عَنْ أَبِي صَالِح. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اِسْم أَبِي هُرَيْرَة عَبْد الرَّحْمَن بْن صَخْر عَلَى الْأَصَحّ مِنْ نَحْو ثَلَاثِينَ قَوْلًا , وَأَنَّ اِسْم أَبِي صَالِح ذَكْوَانُ السَّمَّان , وَأَنَّ اِسْم أَبِي سُفْيَان طَلْحَة اِبْن نَافِع , وَأَنَّ اِسْم الْأَعْمَش سُلَيْمَان بْن مِهْرَانَ. وَأَمَّا ( غِيَاث ) فَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَآخِره مُثَلَّثَة. وَفِيهِ ( أَبُو الزُّبَيْر ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَاب الْإِيمَان أَنَّ اِسْمه مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُس بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فَوْق. قَوْله : ( ثُمَّ قَرَأَ { إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِ } ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ : إِنَّمَا أَنْتَ وَاعِظ. وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ إِذْ ذَاكَ إِلَّا بِالتَّذْكِيرِ , ثُمَّ أُمِرَ بَعْد بِالْقِتَالِ. وَالْمُسَيْطِر : الْمُسَلَّط وَقِيلَ : الْجَبَّار. قِيلَ : الرَّبّ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث بِطُرُقِهِ مُشْتَمِل عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْعُلُوم وَجُمَل مِنْ الْقَوَاعِد وَأَنَا أُشِير إِلَى أَطْرَاف مِنْهَا مُخْتَصَرَة ; فَفِيهِ أَدَلّ دَلِيل عَلَى شَجَاعَة أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَتَقَدُّمه فِي الشَّجَاعَة وَالْعِلْم عَلَى غَيْره. فَإِنَّهُ ثَبَتَ لِلْقِتَالِ فِي هَذَا الْمَوْطِن الْعَظِيم الَّذِي هُوَ أَكْبَرَ نِعْمَة أَنْعَمَ اللَّه تَعَالَى بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتَنْبَطَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ الْعِلْم بِدَقِيقِ نَظَرِهِ وَرَصَانَة فِكْرِهِ مَا لَمْ يُشَارِكهُ فِي الِابْتِدَاء بِهِ غَيْره. فَلِهَذَا وَغَيْره مِمَّا أَكْرَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ أَجْمَع أَهْل الْحَقّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَل أُمَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي مَعْرِفَة رُجْحَانه أَشْيَاء كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي الْأُصُول وَغَيْرهَا. وَمِنْ أَحْسَنهَا كِتَاب ( فَضَائِل الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ) لِلْإِمَامِ أَبِي الْمُظَفَّر مَنْصُور بْن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ الشَّافِعِيّ. وَفِيهِ جَوَاز مُرَاجَعَة الْأَئِمَّة وَالْأَكَابِر وَمُنَاظَرَتهمْ لِإِظْهَارِ الْحَقّ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِيمَان شَرْطه الْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ اِعْتِقَادهمَا وَاعْتِقَاد جَمِيع مَا أَتَى بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : " أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ " وَفِيهِ وُجُوب الْجِهَاد. وَفِيهِ صِيَانَة مَال مَنْ أَتَى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيد وَنَفْسه وَلَوْ كَانَ عِنْد السَّيْف. وَفِيهِ أَنَّ الْأَحْكَام تَجْرِي عَلَى الظَّاهِر , وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى السَّرَائِر. وَفِيهِ جَوَاز الْقِيَاس وَالْعَمَل بِهِ. وَفِيهِ وُجُوب قِتَال مَانِعِي الزَّكَاة أَوْ الصَّلَاة أَوْ غَيْرهمَا مِنْ وَاجِبَات الْإِسْلَام قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا أَوْ عَنَاقًا ". وَفِيهِ جَوَاز التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ لِقَوْلِهِ : " فَإِنَّ الزَّكَاة حَقّ الْمَال ". وَفِيهِ وُجُوب قِتَال أَهْل الْبَغْي. وَفِيهِ وُجُوب الزَّكَاة فِي السِّخَال تَبَعًا لِأُمَّهَاتِهَا وَفِيهِ اِجْتِهَاد الْأَئِمَّة فِي النَّوَازِل. وَرَدّهَا إِلَى الْأُصُول , وَمُنَاظَرَة أَهْل الْعِلْم فِيهَا , وَرُجُوع مَنْ ظَهَرَ لَهُ الْحَقّ إِلَى قَوْل صَاحِبه. وَفِيهِ تَرْكُ تَخْطِئَة الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْفُرُوع بَعْضهمْ بَعْضًا. وَفِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاع لَا يَنْعَقِد إِذَا خَالَفَ مِنْ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد وَاحِد , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور , وَخَالَفَ فِيهِ بَعْض أَصْحَاب الْأُصُول. وَفِيهِ قَبُول تَوْبَة الزِّنْدِيق , وَقَدْ قَدَّمْت الْخِلَاف فِيهِ وَاضِحًا. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ , وَلَهُ الْحَمْد وَالنِّعْمَة وَالْفَضْل وَالْمِنَّة , وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَة.
