📚 التخريج و شرح الألفاظ
(على رغم أنف أبي ذر. وإن رغم أنف أبي ذر) مأخوذ من الرغام، وهو التراب. فمعنى أرغم الله أنفه، أي ألصقه بالرغام وأذله. فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم "على رغم أنف أبي ذر" أي على ذل منه لوقوعه مخالفا لما يريد. وقيل: معناه على كراهة منه. وإنما قال له صلى الله عليه وسلم ذلك لاستبعاده العفو عن الزاني السارق المنتهك للحرمة، واستعظامه ذلك، وتصور أبي ذر بصورة الكاره المانع، وإن لم يكن ممانعا. وكان ذلك من أبي ذر لشدة نفرته من معصية الله تعالى وأهلها.
💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ أَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَد الدِّيْلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرّ حَدَّثَهُ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ , ثُمَّ أَتَيْته فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ , ثُمَّ أَتَيْته وَقَدْ اِسْتَيْقَظَ , فَجَلَسْت إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة. قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ( ثَلَاثًا ) ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَة : عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَر وَهُوَ يَقُول وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرّ ) وَأَمَّا ( أَبُو ذَرّ ) فَتَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمه جُنْدُب بْن جُنَادَة عَلَى الْمَشْهُور وَقِيلَ غَيْره. وَفِي الْإِسْنَاد ( أَحْمَد بْن خِرَاش ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة تَقَدَّمَ. وَأَمَّا ( اِبْن بُرَيْدَةَ ) فَاسْمه عَبْد اللَّه , وَلِبُرَيْدَةَ اِبْنَانِ سُلَيْمَان وَعَبْد اللَّه وَهُمَا ثِقَتَانِ وُلِدَا فِي بَطْنٍ , وَتَقَدَّمَ ذِكْرهمَا أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان. وَابْن بُرَيْدَةَ هَذَا وَيَحْيَى بْن يَعْمُر وَأَبُو الْأَسْوَد ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض. ( وَيَعْمُر ) بِفَتْحِ الْمِيم وَضَمّهَا تَقَدَّمَ أَيْضًا. وَ ( أَبُو الْأَسْوَد ) اِسْمه ظَالِم بْن عَمْرو هَذَا هُوَ الْمَشْهُور. وَقِيلَ : اِسْمه عَمْرو بْن ظَالِم , وَقِيلَ : عُثْمَان بْن عَمْرو , وَقِيلَ : عَمْرو بْن سُفْيَان , وَقِيلَ : عُوَيْمِر بْن ظُوَيْلِم. وَهُوَ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ فِي النَّحْو وَوَلِيَ قَضَاء الْبَصْرَة لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّه وَجْهه. وَأَمَّا ( الدِّيْلِيّ ) فَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَكَر الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ أَكْثَر أَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ فِيهِ وَفِي كُلِّ مَنْ يُنْسَب إِلَى هَذَا الْبَطْن الَّذِي فِي كِنَانَة ( دِيْلِيّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء كَمَا ذَكَرْنَا , وَأَنَّ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُولُونَ فِيهِ الدُّؤَلِيّ بِضَمِّ الدَّال وَبَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة. وَبَعْضهمْ يَكْسِرهَا وَأَنْكَرَهَا النُّحَاة. هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَقَدْ ضَبَطَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه هَذَا وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ ضَبْطًا حَسَنًا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ الْإِمَام أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ , قَالَ الشَّيْخ : هُوَ الدِّيْلِيُّ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ( الدُّؤَلِيّ ) عَلَى مِثَال الْجُهَنِيّ وَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى ( الدُّئِل ) بِدَالِ مَضْمُومَة بَعْدهَا هَمْزَة مَكْسُورَة حَيٌّ مِنْ كِنَانَة وَفَتَحُوا الْهَمْزَة فِي النَّسَب كَمَا قَالُوا فِي النَّسَب إِلَى نَمِر : نَمَرِيّ بِفَتْحِ الْمِيم. قَالَ : وَهَذَا قَدْ حَكَاهُ السِّيرَافِيّ عَنْ أَهْل الْبَصْرَة قَالَ : وَجَدْت عَنْ أَبِي عَلِيّ الْقَالِيّ وَهُوَ بِالْقَافِ فِي كِتَاب ( الْبَارِع ) أَنَّهُ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ , وَسِيبَوَيْهِ , وَابْن السِّكِّيت , وَالْأَخْفَش , وَأَبِي حَاتِم , وَغَيْرهمْ , وَأَنَّهُ حَكَى عَنْ الْأَصْمَعِيِّ عَنْ عِيسَى بْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِيهِ : ( أَبُو الْأَسْوَد الدُّئِلِيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَكَسْر الْهَمْزَة عَلَى الْأَصْل. وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ يُونُس وَغَيْره عَنْ الْعَرَب يَدَعُونَهُ فِي النَّسَب عَلَى الْأَصْل وَهُوَ شَاذٌّ فِي الْقِيَاس. وَذَكَر السِّيرَافِيّ عَنْ أَهْل الْكُوفَة أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ( أَبُو الْأَسْوَد الدِّيْلِيُّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَيَاء سَاكِنَة , وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْكِسَائِيِّ , وَأَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَام , وَعَنْ صَاحِب كِتَاب الْعَيْن , وَمُحَمَّد بْن حُبَيْبَ بِفَتْحِ الْبَاء غَيْر مَصْرُوف , لِأَنَّهَا أُمّه , كَانُوا يَقُولُوا فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَة : الدِّيْل بِإِسْكَانِ الْيَاء وَكَسْر الدَّال , وَيَجْعَلُونَهُ مِثْل ( الدِّيْل ) الَّذِي هُوَ فِي عَبْد الْقَيْس. وَأَمَّا ( الدُّوْل ) بِضَمِّ الدَّال وَإِسْكَان الْوَاو فَحَيٌّ مِنْ بَنِي حَنِيفَة. وَاَللَّه أَعْلَم. هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) فَهُوَ حُجَّة لِمَذْهَبِ أَهْل السَّنَة أَنَّ أَصْحَاب الْكَبَائِر لَا يُقْطَع لَهُمْ بِالنَّارِ , وَأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوهَا أُخْرِجُوا مِنْهَا وَخُتِمَ لَهُمْ بِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّة. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلّه مَبْسُوطًا. وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرْ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمَّهَا وَكَسَرَهَا. قَوْله : ( وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا. ذَكَر هَذَا كُلّه الْجَوْهَرِيُّ , وَغَيْره. وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ ( الرَّغَام ) بِفَتْحِ الرَّاء وَهُوَ التُّرَاب. فَمَعْنَى ( أَرْغَمَ اللَّه أَنْفه ) أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَام , وَأَذَلَّهُ فَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ ) أَيْ عَلَى ذُلٍّ مِنْهُ لِوُقُوعِهِ مُخَالِفًا لِمَا يُرِيد. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ عَلَى كَرَاهَة مِنْهُ , وَإِنَّمَا قَالَهُ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِاسْتِبْعَادِهِ الْعَفْو عَنْ الزَّانِي السَّارِق الْمُنْتَهِك لِلْحُرْمَةِ , وَاسْتِعْظَامه ذَلِكَ , وَتَصَوُّر أَبِي ذَرّ بِصُورَةِ الْكَارِه الْمُمَانِع. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَانِعًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي ذَرّ لِشِدَّةِ نَفْرَته مِنْ مَعْصِيَة اللَّه تَعَالَى وَأَهْلِهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.