💡 شرح فتح الباري
حَدِيث أَنَس فِي الشَّفَاعَة أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا ثُمَّ مُطَوَّلًا وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق. قَوْله ( حَدَّثَنَا يُوسُف بْن رَاشِد ) هُوَ يُوسُف بْن مُوسَى بْن رَاشِد الْقَطَّان الْكُوفِيّ نَزِيل بَغْدَاد نِسْبَة لِجَدِّهِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِأَبِيهِ أَشْهَر , وَلَهُمْ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ يُوسُف بْن مُوسَى التَّسْتُرِيّ نَزِيل الرَّيّ أَصْغَر مِنْ الْقَطَّان , وَشَيْخه أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس يُنْسَب لِجَدِّهِ كَثِيرًا وَأَبُو بَكْر بْن عَيَّاش هُوَ الْمُقْرِئ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش حَدِيثًا غَيْر هَذَا بِغَيْرِ وَاسِطَة بَيْنه وَبَيْن أَحْمَد , وَتَقَدَّمَ فِي بَاب الْغِنَى غِنَى النَّفْس فِي كِتَاب الرِّقَاق. قَوْله ( إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة شُفِّعْت ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّله مُشَدَّدًا ولِلْكُشْمِيهَنِيّ بِفَتْحِهِ مُخَفَّفًا. قَوْله ( فَقُلْت يَا رَبّ أَدْخِلْ الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه خَرْدَلَة ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَفِي الَّتِي بَعْدهَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانه هُوَ الَّذِي يَقُول ذَلِكَ وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي سَائِر الْأَخْبَار , قَالَ اِبْن التِّين هَذَا فِيهِ كَلَام الْأَنْبِيَاء مَعَ الرَّبّ لَيْسَ كَلَام الرَّبّ مَعَ الْأَنْبِيَاء. قَوْله ( ثُمَّ أَقُول ) ذَكَرَ اِبْن التِّين أَنَّهُ وَقَعَ عِنْده بِلَفْظِ " ثُمَّ نَقُول " بِالنُّونِ , قَالَ وَلَا أَعْلَم مَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ فَإِنْ كَانَ رُوِيَ بِالْيَاءِ طَابَقَ التَّبْوِيب , أَيْ ثُمَّ يَقُول اللَّه وَيَكُون جَوَابًا عَنْ اِعْتِرَاض الدَّاوُدِيّ حَيْثُ قَالَ قَوْله ثُمَّ أَقُول خِلَاف لِسَائِرِ الرِّوَايَات فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّه أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِج. قُلْت : وَفِيهِ نَظَر وَالْمَوْجُود عِنْد أَكْثَر الرُّوَاة : ثُمَّ أَقُول بِالْهَمْزَةِ كَمَا لِأَبِي ذَرّ , وَاَلَّذِي أَظُنّ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُقه كَعَادَتِهِ , فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج مِنْ طَرِيق أَبِي عَاصِم أَحْمَد بْن جَوَّاس بِفَتْحِ الْجِيم وَالتَّشْدِيد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش وَلَفْظه " أشْفَع يَوْم الْقِيَامَة , فَيُقَال لِي لَك مَنْ فِي قَلْبه شَعِيرَة , وَلَك مَنْ فِي قَلْبه خَرْدَلَة , وَلَك مَنْ فِي قَلْبه شَيْء " فَهَذَا مِنْ كَلَام الرَّبّ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُمْكِن التَّوْفِيق بَيْنهمَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَل عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا فَيُجَاب إِلَى ذَلِكَ ثَانِيًا , فَوَقَعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ذِكْر السُّؤَال وَفِي الْبَقِيَّة ذِكْر الْإِجَابَة , وَقَوْله فِي الْأُولَى " مَنْ كَانَ فِي قَلْبه أَدْنَى شَيْء " قَالَ الدَّاوُدِيّ هَذَا زَائِد عَلَى سَائِر الرِّوَايَات , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُفَسَّر فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة حَيْثُ جَاءَ فِيهَا " أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان " قَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَوْله " أَدْنَى أَدْنَى " التَّكْرِير لِلتَّأْكِيدِ وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد التَّوْزِيع عَلَى الْحَبَّة وَالْخَرْدَل أَيْ أَقَلّ حَبَّة مِنْ أَقَلّ خَرْدَلَة مِنْ الْإِيمَان , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ صِحَّة الْقَوْل بِتَجَزُّءِ الْإِيمَان وَزِيَادَته وَنُقْصَانه , وَقَوْله " قَالَ أَنَس : كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى أَصَابِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَعْنِي قَوْله أَدْنَى شَيْء وَكَأَنَّهُ يَضُمّ أَصَابِعه وَيُشِير بِهَا , وَقَوْله " فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّار مِنْ النَّار مِنْ النَّار " التَّكْرِير لِلتَّأْكِيدِ أَيْضًا لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلنَّظَرِ إِلَى الْأُمُور الثَّلَاثَة مِنْ الْحَبَّة وَالْخَرْدَلَة وَالْإِيمَان أَوْ جَعْل أَيْضًا لِلنَّارِ مَرَاتِب. قُلْت : سَقَطَ تَكْرِير قَوْله مِنْ النَّار عِنْد مُسْلِم وَمَنْ ذَكَرْت مَعَهُ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد هَذِهِ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي " كِتَاب الرِّقَاق " وَقَوْله فِيهِ فَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ إِلَيْهِ يَسْأَلهُ " فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " فَسَأَلَهُ " بِفَاءٍ وَصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي , قَالَ اِبْن التِّين : فِيهِ تَقْدِيم الرَّجُل الَّذِي هُوَ مِنْ خَاصَّة الْعَالِم لِيَسْأَلهُ , وَفِي قَوْله " فَإِذَا هُوَ فِي قَصْره " قَالَ اِبْن التِّين فِيهِ اِتِّخَاذ الْقَصْر لِمَنْ كَثُرَتْ ذُرِّيَّته , وَقَوْله " فَوَافَقْنَا " كَذَا لَهُمْ بِحَذْفِ الْمَفْعُول , ولِلْكُشْمِيهَنِيّ " فَوَافَقْنَاهُ " وَقَوْله " مَاجَ النَّاس " أَيْ اِخْتَلَطُوا , يُقَال : مَاجَ الْبَحْر أَيْ اِضْطَرَبَتْ أَمْوَاجه , وَقَوْله " فَإِنَّهُ كَلِيم اللَّه " كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيّ " فَإِنَّهُ كَلَّمَ اللَّه " بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَقَوْله " فَيُقَال يَا مُحَمَّد " فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " فَيَقُول " فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة.