💡 شرح فتح الباري
حَدِيث الْمُغِيرَة قَالَ " سَأَلَ عُمَر عَنْ إِمْلَاص الْمَرْأَة " وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِر الدِّيَات أَخْرَجَهُ عَالِيًا عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , وَمِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ هِشَام , وَقَوْله هُنَا " حَدَّثَنَا مُحَمَّد " هُوَ اِبْن سَلَّامٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن السَّكَن , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي النِّكَاح حَدِيثًا عَنْ مُحَمَّد بْن سَلَّامٍ مَنْسُوبًا لِأَبِيهِ عِنْد الْجَمِيع عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , فَهَذِهِ قَرِينَة تُؤَيِّد قَوْل اِبْن السَّكَن وَاحْتِمَال كَوْنه مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى بَعِيد , وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ فِي الطَّهَارَة عَنْ مُحَمَّد بْن خَازِم بِمُعْجَمَتَيْنِ حَدِيثًا وَهُوَ أَبُو مُعَاوِيَة , لَكِنَّ الْمُهْمَل إِنَّمَا يُحْمَل عَلَى مَنْ يَكُون لِمَنْ أَهْمَلَهُ بِهِ اِخْتِصَاص , وَاخْتِصَاص الْبُخَارِيّ بِمُحَمَّدِ بْن سَلَّامٍ مَشْهُور , وَقَوْله فِي آخِره " تَابَعَهُ اِبْن أَبِي الزِّنَاد " يَعْنِي عَبْد الرَّحْمَن ( عَنْ أَبِيهِ ) وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن ذَكْوَانَ وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَر وَسَقَطَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ. قَوْله ( عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمُغِيرَة ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ غَلَط , فَقَدْ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا عَنْ الْبُخَارِيّ نَفْسه , وَهُوَ فِي الْجُزْء الثَّالِث عَشْر مِنْ فَوَائِد الْأَصْبَهَانِيِّين عَنْ الْمُحَامِلِيّ , قَالَ " حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ , حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد اللَّه الْأُوَيْسِيّ , حَدَّثَنِي بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمُغِيرَة " وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْنِ أَبِي الزِّنَاد , وَلَمْ يُنَبِّه الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع , وَلَا الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَاف , وَلَا أَحَد مِنْ الشُّرَّاح عَلَى هَذَا الْمَوْضِع , قَالَ اِبْن بَطَّال : لَا يَجُوز لِلْقَاضِي الْحُكْم إِلَّا بَعْد طَلَب حُكْم الْحَادِثَة مِنْ الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة , فَإِنْ عَدِمَهُ رَجَعَ إِلَى الْإِجْمَاع فَإِنْ لَمْ يَجِدهُ نَظَرَ هَلْ يَصِحّ الْحَمْل عَلَى بَعْض الْأَحْكَام الْمُقَرَّرَة لِعِلَّةٍ تَجْمَع بَيْنهمَا , فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْقِيَاس عَلَيْهَا , إِلَّا إِنْ عَارَضَتْهَا عِلَّة أُخْرَى فَيَلْزَمهُ التَّرْجِيح , فَإِنْ لَمْ يَجِد عِلَّة اِسْتَدَلَّ بِشَوَاهِد الْأُصُول وَغَلَبَة الِاشْتِبَاه , فَإِنْ لَمْ يَتَوَجَّه لَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى حُكْم الْعَقْل , قَالَ : هَذَا قَوْل اِبْن الطَّيِّب , يَعْنِي أَبَا بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ , ثُمَّ أَشَارَ إِلَى إِنْكَار كَلَامه الْأَخِير بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ) وَقَدْ عَلِمَ الْجَمِيع بِأَنَّ النُّصُوص لَمْ تُحِطْ بِجَمِيعِ الْحَوَادِث فَعَرَفْنَا أَنَّ اللَّه قَدْ أَبَانَ حُكْمهَا بِغَيْرِ طَرِيق النَّصّ وَهُوَ الْقِيَاس , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) لِأَنَّ الِاسْتِنْبَاط هُوَ الِاسْتِخْرَاج وَهُوَ بِالْقِيَاسِ , لِأَنَّ النَّصّ ظَاهِر , ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرَّدّ عَلَى مُنْكِرِي الْقِيَاس وَأَلْزَمهُمْ التَّنَاقُض , لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمْ إِذَا لَمْ يُوجَد النَّصّ الرُّجُوع إِلَى الْإِجْمَاع. قَالَ : فَيَلْزَمهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْك الْقَوْل بِالْقِيَاسِ وَلَا سَبِيل لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ , فَوَضَح أَنَّ الْقِيَاس إِنَّمَا يُنْكَر إِذَا اُسْتُعْمِلَ مَعَ وُجُود النَّصّ أَوْ الْإِجْمَاع لَا عِنْد فَقْد النَّصّ وَالْإِجْمَاع. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.