💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( عَبْد الْوَهَّاب ) هُوَ اِبْن عَبْد الْمَجِيد الثَّقَفِيّ , وَيَحْيَى بْن سَعِيد هُوَ الْأَنْصَارِيّ , وَمُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم هُوَ التَّيْمِيُّ , وَأَبُو سَلَمَة هُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَفِي السَّنَد ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ فِي نَسَق. وَهَذَا السِّيَاق كَأَنَّهُ لَفْظ عَطَاء بْن يَسَار وَأَمَّا لَفْظ أَبِي سَلَمَة فَتَقَدَّمَ مُنْفَرِدًا فِي أَوَاخِر فَضَائِل الْقُرْآن , وَرَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده بِسِيَاقٍ آخَر , فَلَعَلَّ اللَّفْظ الْمَذْكُور هُنَا عَلَى سِيَاق عَطَاء بْن يَسَار الْمَقْرُون بِهِ , وَقَدْ قَرَنَ الزُّهْرِيّ مَعَ أَبِي سَلَمَة فِي رِوَايَته الْمَاضِيَة فِي الْأَدَب الضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ لَكِنَّهُ أَفْرَدَهُ هُنَا عَنْ أَبِي سَلَمَة فَامْتَازَ لَفْظه عَنْ لَفْظ الضَّحَّاك. قَوْله ( فَسَأَلَاهُ عَنْ الْحَرُورِيَّة أَسَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِحَذْفِ الْمَسْمُوع , وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ يَذْكُرهَا , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة " قُلْت لِأَبِي سَعِيد هَلْ سَمِعْت رَسُول رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُر الْحَرُورِيَّة " أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالطَّبَرِيّ , وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد بْن الْعَلَاء عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ " جِئْنَا أَبَا سَعِيد فَقُلْنَا " فَذَكَرَ مِثْله وَمِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاق مَوْلَى بَنِي هَاشِم " أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيد عَنْ الْحَرُورِيَّة ". قَوْله ( قَالَ لَا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّة ) هَذَا يُغَايِر قَوْله فِي أَوَّل حَدِيث الْبَاب الَّذِي يَلِيه " وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ " فَإِنَّ مُقْتَضَى الْأَوَّل أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ وَرَدَ الْحَدِيث الَّذِي سَاقَهُ فِي الْحَرُورِيَّة أَوْ لَا , وَمُقْتَضَى الثَّانِي أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِمْ , وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ مُرَاده بِالنَّفْيِ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظ فِيهِمْ نَصًّا بِلَفْظِ الْحَرُورِيَّة وَإِنَّمَا سَمِعَ قِصَّتهمْ الَّتِي دَلَّ وُجُود عَلَامَتهمْ فِي الْحَرُورِيَّة بِأَنَّهُمْ هُمْ. قَوْله ( يَخْرُج فِي هَذِهِ الْأُمَّة وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا ) لَمْ تَخْتَلِف الطُّرُق الصَّحِيحَة عَلَى أَبِي سَعِيد فِي ذَلِكَ فَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّته " وَلَهُ مِنْ وَجْه آخَر " تَمْرُق عِنْد فِرْقَة مَارِقَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ " وَلَهُ مِنْ رِوَايَة الضَّحَّاك الْمِشْرَقِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد نَحْوه , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي سَعِيد بِلَفْظِ " مِنْ أُمَّتِي " فَسَنَده ضَعِيف , لَكِنْ وَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ بِلَفْظِ " سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْم " وَلَهُ مِنْ طَرِيق زَيْد بْن وَهْب عَنْ عَلِيّ " يَخْرُج قَوْم مِنْ أُمَّتِي " وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث أَبِي سَعِيد بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْأُمَّةِ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد أُمَّة الْإِجَابَة وَفِي رِوَايَة غَيْره أُمَّة الدَّعْوَة , قَالَ النَّوَوِيّ : وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى فِقْه الصَّحَابَة وَتَحْرِيرهمْ الْأَلْفَاظ , وَفِيهِ إِشَارَة مِنْ أَبِي سَعِيد إِلَى تَكْفِير الْخَوَارِج وَأَنَّهُمْ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة. قَوْله ( تَحْقِرُونَ ) بِفَتْحِ أَوَّله أَيْ تَسْتَقِلُّونَ. قَوْله ( صَلَاتكُمْ مَعَ صَلَاتهمْ ) زَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة كَمَا فِي الْبَاب بَعْده " وَصِيَامكُمْ مَعَ صِيَامهمْ " وَفِي رِوَايَة عَاصِم بْن شُمَيْخ عَنْ أَبِي سَعِيد " تَحْقِرُونَ أَعْمَالكُمْ مَعَ أَعْمَالهمْ " وَوَصَفَ عَاصِم أَصْحَاب نَجْدَة الْحَرُورِيّ بِأَنَّهُمْ " يَصُومُونَ النَّهَار وَيَقُومُونَ اللَّيْل وَيَأْخُذُونَ الصَّدَقَات عَلَى السُّنَّة " أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ , وَمِثْله عِنْده مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة. وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عِنْده " يَتَعَبَّدُونَ يَحْقِر أَحَدكُمْ صَلَاته وَصِيَامه مَعَ صَلَاتهمْ وَصِيَامهمْ " وَمِثْله مِنْ رِوَايَة أَنَس عَنْ أَبِي سَعِيد , وَزَادَ فِي رِوَايَة الْأَسْوَد بْن الْعَلَاء عَنْ أَبِي سَلَمَة " وَأَعْمَالكُمْ مَعَ أَعْمَالهمْ " وَفِي رِوَايَة سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ عَلِيّ " لَيْسَتْ قِرَاءَتكُمْ إِلَى قِرَاءَتهمْ شَيْئًا وَلَا صَلَاتكُمْ إِلَى صَلَاتهمْ شَيْئًا " أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالطَّبَرِيّ , وَعِنْده مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ أَنَس " ذَكَرَ لِي عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَدْأَبُونَ وَيَعْمَلُونَ حَتَّى يُعْجِبُوا النَّاس وَتُعْجِبهُمْ أَنْفُسهمْ " وَمِنْ طَرِيق حَفْص بْن أَخِي أَنَس عَنْ عَمّه بِلَفْظِ " يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّين " وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي قِصَّة مُنَاظَرَته لِلْخَوَارِجِ قَالَ " فَأَتَيْتهمْ فَدَخَلْت عَلَى قَوْم لَمْ أَرَ أَشَدَّ اِجْتِهَادًا مِنْهُمْ , أَيْدِيهمْ كَأَنَّهَا ثِفَن الْإِبِل , وَوُجُوههمْ مُعَلَّمَة مِنْ آثَار السُّجُود " وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ " ذُكِرَ عِنْده الْخَوَارِج وَاجْتِهَادهمْ فِي الْعِبَادَة فَقَالَ : لَيْسُوا أَشَدَّ اِجْتِهَادًا مِنْ الرُّهْبَان ". قَوْله ( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّين مُرُوق السَّهْم مِنْ الرَّمِيَّة ) بِكَسْرِ الْمِيم وَتَشْدِيد التَّحْتَانِيَّة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة فَأُدْخِلَتْ فِيهَا الْهَاء وَإِنْ كَانَ فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث لِلْإِشَارَةِ لِنَقْلِهَا مِنْ الْوَصْفِيَّة إِلَى الِاسْمِيَّة , وَقِيلَ إِنَّ شَرْط اِسْتِوَاء الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث أَنْ يَكُون الْمَوْصُوف مَذْكُورًا مَعَهُ , وَقِيلَ شَرْطه سُقُوط الْهَاء مِنْ مُؤَنَّث قَبْل وُقُوع الْوَصْف , تَقُول خُذْ ذَبِيحَتك أَيْ الشَّاة الَّتِي تُرِيد ذَبْحهَا فَإِذَا ذَبَحْتهَا قِيلَ لَهَا حِينَئِذٍ ذَبِيح. قَوْله ( فَلْيَنْظُرْ الرَّامِي إِلَى سَهْمه ) يَأْتِي بَيَانه فِي الْبَاب الَّذِي بَعْده , وَقَوْله " إِلَى نَصْله " هُوَ بَدَل مِنْ قَوْله سَهْمه أَيْ يَنْظُر إِلَيْهِ جُمْلَة ثُمَّ تَفْصِيلًا , وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عِنْد الطَّبَرِيّ " يَنْظُر إِلَى سَهْمه فَلَا يَرَى شَيْئًا ثُمَّ يَنْظُر إِلَى نَصْله ثُمَّ إِلَى رِصَافه " وَسَيَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيه , وَقَوْله " فَيَتَمَارَى " أَيْ يَتَشَكَّك هَلْ بَقِيَ فِيهَا شَيْء مِنْ الدَّم , وَالْفُوقَة مَوْضِع الْوَتَر مِنْ السَّهْم , قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ الْفُوق يُذَكَّر وَيُؤَنَّث وَقَدْ يُقَال فُوقَة بِالْهَاءِ.