💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ) هُوَ الْمَعْرُوف بِابْنِ عُلَيَّةَ , وَأَيُّوب هُوَ السَّخْتِيَانِيّ , وَالْقَاسِم التَّمِيمِيُّ هُوَ اِبْن عَاصِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " بَاب الْيَمِين فِيمَا لَا يَمْلِك " مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب عَنْ الْقَاسِم وَحْده أَيْضًا , وَاقْتَصَرَ عَلَى بَعْضه , وَمَضَى فِي " بَاب لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِم التَّمِيمِيّ جَمِيعًا عَنْ زَهْدَم , وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَحْدَهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْوَهَّاب عَنْ حَمَّاد وَهُوَ اِبْن زَيْد , وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي الرَّبِيع الْعَتَكِيّ عَنْ حَمَّاد قَالَ " وَحَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن عَاصِم الْكُلَيْبِيّ " بِمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّر نِسْبَة إِلَى بَنِي كُلَيْبِ بْن يَرْبُوع بْن حَنْظَلَة بْن مَالِك بْن زَيْد مَنَاةَ بْن تَمِيم , وَهُوَ الْقَاسِم التَّمِيمِيّ الْمَذْكُور قَبْل , قَالَ : وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِم أَحْفَظُ عَنْ زَهْدَم , وَفِي رِوَايَة الْعَتَكِيّ وَعَنْ الْقَاسِم بْن عَاصِم كِلَاهُمَا عَنْ زَهْدَم , قَالَ أَيُّوب : وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِم أَحْفَظُ. قَوْله ( كُنَّا عِنْد أَبِي مُوسَى ) أَيْ الْأَشْعَرِيّ , وَنُسِبَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ. قَوْله ( وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هَذَا الْحَيّ إِلَخْ " وَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ زَادَ الضَّمِيرَ وَقَدَّمَهُ عَلَى مَا يَعُود عَلَيْهِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : كَانَ حَقّ الْعِبَارَة أَنْ يَقُول : بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَيْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي لِأَنَّ زَهْدَمًا مِنْ جَرْم فَلَوْ كَانَ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ لَاسْتَقَامَ الْكَلَام , قَالَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الصَّوَاب فِي " بَاب لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " حَيْثُ قَالَ " كَانَ بَيْن هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْم وَبَيْن الْأَشْعَرِيِّينَ " ثُمَّ حَمَلَ مَا وَقَعَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ نَفْسه مِنْ قَوْم أَبِي مُوسَى لِكَوْنِهِ مِنْ أَتْبَاعه فَصَارَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : بَيْنَنَا أَبَا مُوسَى وَأَتْبَاعه وَأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَرْمِيِّينَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِخَاء وَغَيْره , وَتَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَاب الذَّبَائِح. قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث فِي الذَّبَائِح بِلَفْظِ هَذَا الْبَاب إِلَى قَوْله " إِخَاء " وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقه , وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَام بَلْ اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله " كُنَّا عِنْد أَبِي مُوسَى فَقَدَّمَ طَعَامه " نَعَمْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيّ بْن حَجَرٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِقِصَّةِ الدَّجَاج وَقَوْل الرَّجُل , وَلَمْ يَسُقْ بَقِيَّتَهُ , وَقَوْله " إِخَاء " بِكَسْرِ أَوَّله وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْمَدّ أَيْ صَدَاقَة , وَقَوْله " وَمَعْرُوف " أَيْ إِحْسَانٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ الْمَاضِيَة قَرِيبًا " وُدٌّ وَإِخَاءٌ " وَقَدْ ذَكَرَ بَيَان سَبَب ذَلِكَ فِي " بَاب قُدُوم الْأَشْعَرِيِّينَ " مِنْ أَوَاخِر الْمَغَازِي مِنْ طَرِيق عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ أَيُّوب , وَأَوَّل الْحَدِيث عِنْده " لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى الْكُوفَة أَكْرَم هَذَا الْحَيّ مِنْ جَرْمٍ " وَذَكَرْت هُنَاكَ نَسَبَ جَرْمٍ إِلَى قُضَاعَة. قَوْله ( فَقُدِّمَ طَعَامُهُ ) أَيْ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ , فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " طَعَام " بِغَيْرِ ضَمِيرٍ , وَمَضَى فِي " بَاب قُدُوم الْأَشْعَرِيِّينَ " بِلَفْظِ " وَهُوَ يَتَغَذَّى لَحْم دَجَاج " وَيُسْتَفَاد مِنْ الْحَدِيث جَوَاز أَكْل الطَّيِّبَات عَلَى الْمَوَائِد وَاسْتِخْدَام الْكَبِير مَنْ يُبَاشِر لَهُ نَقْلَ طَعَامِهِ وَوَضْعَهُ بَيْن يَدَيْهِ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَلَا يُنَاقِض ذَلِكَ الزُّهْد وَلَا يُنْقِصُهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَقَشِّفَة. قُلْت : وَالْجَوَاز ظَاهِر , وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُنْقِصُ الزُّهْدَ فَفِيهِ وَقْفَةٌ. قَوْله ( وَقُدِّمَ فِي طَعَامه لَحْم دَجَاج ) ذُكِرَ ضَبْطه فِي " بَاب لَحْم الدَّجَاج " مِنْ كِتَاب الذَّبَائِح وَأَنَّهُ اِسْم جِنْس , وَكَلَام الْحَرْبِيّ فِي ذَلِكَ , وَوَقَعَ فِي فَرْض الْخُمُس بِلَفْظِ " دَجَاجَة " وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ يُقَال لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَاسْتَغْرَبَهُ اِبْن التِّين. قَوْله ( وَفِي الْقَوْم رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ ) هُوَ اِسْم قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا تَيْم الْلَاتِ وَهُمْ مِنْ قُضَاعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَا قِيلَ فِي تَسْمِيَة هَذَا الرَّجُل مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الذَّبَائِح. قَوْله ( أَحْمَر كَأَنَّهُ مَوْلًى ) تَقَدَّمَ فِي فَرْض الْخُمُس " كَأَنَّهُ مِنْ الْمَوَالِي " قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ سَبْي الرُّوم , كَذَا قَالَ فَإِنْ كَانَ اِطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا اِخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالرُّومِ دُون الْفُرْس أَوْ النَّبَط أَوْ الدَّيْلَم. قَوْله ( فَلَمْ يَدْنُ ) أَيْ لَمْ يَقْرَبْ مِنْ الطَّعَام فَيَأْكُل مِنْهُ , زَادَ عَبْد الْوَارِث فِي رِوَايَته فِي الذَّبَائِح " فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ ". قَوْله ( اُدْنُ ) بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْر , وَفِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام " هَلُمَّ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى اُدْنُ , كَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد عَنْ أَيُّوب , وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْه " فَقَالَ لَهُ هَلُمَّ فَتَلَكَّأَ " بِمُثَنَّاةٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَشْدِيدٍ أَيْ تَمَنَّعَ وَتَوَقَّفَ وَزْنه وَمَعْنَاهُ. قَوْله ( يَأْكُل شَيْئًا قَذِرْتُهُ ) بِكَسْرِ الذَّال الْمُعْجَمَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ , وَحُكْم أَكْل لَحْم الْجَلَّالَة وَالْخِلَاف فِيهِ فِي كِتَاب الذَّبَائِح مُسْتَوْفًى. قَوْله ( أُخْبِرُك عَنْ ذَلِكَ ) أَيْ عَنْ الطَّرِيق فِي حَلِّ الْيَمِين , فَقَصَّ قِصَّةَ طَلَبِهِمْ الْحُمْلَان وَالْمُرَاد مِنْهُ مَا فِي آخِره مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِين فَأَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَتَحَلَّلْتهَا " وَمَعْنَى تَحَلَّلْتهَا فَعَلْت مَا يَنْقُل الْمَنْع الَّذِي يَقْتَضِيهِ إِلَى الْإِذْن فَيَصِير حَلَالًا , وَإِنَّمَا يَحْصُل ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ , وَأَمَّا مَا زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الْيَمِين تَتَحَلَّل بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا الِاسْتِثْنَاء , وَإِمَّا الْكَفَّارَة فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُطْلَق الْيَمِين لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا يُعْتَبَر فِي أَثْنَاء الْيَمِين قَبْل كَمَالِهَا وَانْعِقَادهَا , وَالْكَفَّارَة تَحْصُل بَعْد ذَلِكَ , وَيُؤَيِّد أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَحَلَّلْتهَا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وُقُوع التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد وَعَبْد السَّلَام وَعَبْد الْوَارِث وَغَيْرهمْ. قَوْله ( أَتَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام بْن حَرْب عَنْ أَيُّوب بِلَفْظِ " إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ " فَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن مَالِك لِصِحَّةِ قَوْل الْأَخْفَش يَجُوز أَنْ يُبْدَل مِنْ ضَمِير الْحَاضِر بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ وَحَمَلَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا رَيْب فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) قَالَ اِبْن مَالِك : وَاحْتَرَزْت بِقَوْلِي : بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ عَنْ الْبَعْض وَالِاشْتِمَال فَذَلِكَ جَائِز اِتِّفَاقًا , وَلِمَا حَكَاهُ الطِّيبِيُّ أَقَرَّهُ وَقَالَ : هُوَ عِنْد عُلَمَاء الْبَدِيع يُسَمَّى التَّجْرِيد. قُلْت : وَهَذَا لَا يَحْسُنُ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ إِلَّا لَوْ اِتَّفَقَتْ الرُّوَاةُ , وَالْوَاقِع أَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظ اِنْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ السَّلَامِ , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى بِإِثْبَاتِ " فِي " فَقَالَ فِي مُعْظَمِهَا " فِي رَهْط " كَمَا هِيَ رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوب هُنَا , وَفِي بَعْضهَا " فِي نَفَر " كَمَا هِيَ رِوَايَة حَمَّاد عَنْ أَيُّوب فِي فَرْض الْخُمُس. قَوْله " يَسْتَحْمِلُهُ " أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا يَرْكَبُهُ , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي السَّلِيل بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ عَنْ زَهْدَم عَنْ أَبِي مُوسَى " كُنَّا مُشَاةً فَأَتَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ " وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوك كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي. قَوْله ( وَهُوَ يَقْسِم نَعَمًا ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ. قَوْله ( قَالَ أَيُّوب أَحْسَبُهُ قَالَ وَهُوَ غَضْبَانُ ) هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث عَنْ أَيُّوب " فَوَافَقْته وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِم نَعَمًا مِنْ نَعَمْ الصَّدَقَة " وَفِي رِوَايَة وُهَيْب عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي عَوَانَة فِي صَحِيحه " وَهُوَ يَقْسِم ذَوْدًا مِنْ إِبِل الصَّدَقَة " وَفِي رِوَايَة بُرَيْد بْن أَبِي بُرْدَة الْمَاضِيَة قَرِيبًا فِي " بَاب الْيَمِين فِيمَا لَا يَمْلِك " عَنْ أَبِي مُوسَى " أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَان فَقَالَ : لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ فَوَافَقْته وَهُوَ غَضْبَان " وَيُجْمَعُ بِأَنَّ أَبَا مُوسَى حَضَرَ هُوَ وَالرَّهْط فَبَاشَرَ الْكَلَام بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ. قَوْله ( وَاَللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ جَوَاز الْيَمِين عِنْد الْمَنْع وَرَدّ السَّائِل الْمُلْحِف عِنْد تَعَذُّر الْإِسْعَاف وَتَأْدِيبه بِنَوْعٍ مِنْ الْإِغْلَاظِ بِالْقَوْلِ. قَوْله ( فَأُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِل ) بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون الْهَاء بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ غَنِيمَة , وَأَصْله مَا يُؤْخَذ اِخْتِطَافًا بِحَسَبِ السَّبْق إِلَيْهِ عَلَى غَيْر تَسْوِيَةٍ بَيْن الْآخِذِينَ , وَتَقَدَّمَ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله مِنْ طَرِيق غَيْلَان بْن جَرِير عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ مُوسَى بِلَفْظِ " فَأُتِيَ بِإِبِلٍ " وَفِي رِوَايَة " شَائِل " وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهَا , وَفِي رِوَايَة بُرَيْد عَنْ أَبِي بُرْدَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْتَاعَ الْإِبِل الَّتِي حَمَلَ عَلَيْهَا الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ سَعْد , وَفِي الْجَمْع بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِوَايَة الْبَاب عُسْرٌ , لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْغَنِيمَة لَمَّا حَصَلَتْ حَصَلَ لِسَعْدٍ مِنْهَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ فَابْتَاعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ نَصِيبَهُ فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ. قَوْله ( فَقِيلَ : أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ ؟ فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا ) فِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام عَنْ أَيُّوبَ " ثُمَّ لَمْ نَلْبَثْ أَنْ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا " وَفِي رِوَايَة حَمَّاد " وَأُتِيَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ : أَيْنَ النَّفَر الْأَشْعَرِيُّونَ ؟ فَأَمَرَ لَنَا " وَمِثْله فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , وَفِي رِوَايَة غَيْلَان بْن جَرِير عَنْ أَبِي بُرْدَة " ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّه فَأَتَى " وَفِي رِوَايَة يَزِيد " فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْت بِلَالًا يُنَادِي : أَيْنَ عَبْد اللَّه بْن قَيْس ؟ فَأَجَبْته , فَقَالَ : أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوك , فَلَمَّا أَتَيْته قَالَ خُذْ ". قَوْله ( فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ ) تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله وَطَرِيق الْجَمْع بَيْن مُخْتَلِف الرِّوَايَات فِي ذَلِكَ. قَوْله ( فَانْدَفَعْنَا ) أَيْ سِرْنَا مُسْرِعِينَ وَالدَّفْع السَّيْر بِسُرْعَةٍ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث " فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ " وَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب " ثُمَّ اِنْطَلَقْنَا ". قَوْله ( فَقُلْت لِأَصْحَابِي ) فِي رِوَايَة حَمَّاد وَعَبْد الْوَهَّاب " قُلْنَا مَا صَنَعْنَا " وَفِي رِوَايَة غَيْلَان عَنْ أَبِي بُرْدَة " فَلَمَّا اِنْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ " وَقَدْ عُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ الْبَادِئُ بِالْمَقَالَةِ الْمَذْكُورَةِ. قَوْله ( نَسِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينه , وَاَللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا ) فِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام " فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا " وَنَحْوه فِي رِوَايَة عَبْد الْوَهَّاب وَمَعْنَى " تَغَفَّلْنَا " أَخَذْنَا مِنْهُ مَا أَعْطَانَا فِي حَال غَفْلَتِهِ عَنْ يَمِينه مِنْ غَيْر أَنْ نُذَكِّرَهُ بِهَا وَلِذَلِكَ خَشَوْا , وَفِي رِوَايَة حَمَّاد " فَلَمَّا اِنْطَلَقْنَا قُلْنَا : مَا صَنَعْنَا ؟ لَا يُبَارَك لَنَا " وَلَمْ يَذْكُر النِّسْيَانَ أَيْضًا. وَفِي رِوَايَة غَيْلَان " لَا يُبَارِك اللَّه لَنَا " وَخَلَتْ رِوَايَة يَزِيد عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَة كَمَا خَلَتْ عَمَّا بَعْدهَا إِلَى آخِر الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَته مِنْ الزِّيَادَة قَوْل أَبِي مُوسَى لِأَصْحَابِهِ " لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَعْنِي فِي مَنْعِهِمْ أَوَّلًا وَإِعْطَائِهِمْ ثَانِيًا إِلَى آخِر الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ " لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِين إِلَخْ " , قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ اِسْتِدْرَاكُ جَبْرِ خَاطِرِ السَّائِلِ الَّذِي يُؤَدَّب عَلَى الْحَاجَة بِمَطْلُوبِهِ إِذَا تَيَسَّرَ , وَأَنَّ مَنْ أَخْذ شَيْئًا يَعْلَم أَنَّ الْمُعْطِيَ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِإِعْطَائِهِ لَا يُبَارَك لَهُ فِيهِ. قَوْله ( فَظَنَنَّا أَوْ فَعَرَفْنَا أَنَّك نَسِيت يَمِينَك , قَالَ : اِنْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ ) فِي رِوَايَة حَمَّاد " فَنَسِيت. قَالَ لَسْت أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ " وَفِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام " فَأَتَيْته فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّك حَلَفْت أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتنَا , قَالَ : أَجَلْ " وَلَمْ يَذْكُرْ " مَا أَنَا حَمَلْتكُمْ " إِلَخْ. وَفِي رِوَايَة غَيْلَان " مَا أَنَا حَمَلْتكُمْ بَلْ اللَّه حَمَلَكُمْ " وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيق فِطْر عَنْ زَهْدَم " فَكَرِهْنَا أَنْ نُمْسِكَهَا , فَقَالَ : إِنِّي وَاَللَّهِ مَا نَسِيتهَا " وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ الشَّيْخ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ أَبُو يَعْلَى وَلَمْ يَسُقْ مِنْهُ إِلَّا قَوْله " قَالَ وَاَللَّهِ مَا نَسِيتهَا ". قَوْله ( إِنِّي وَاَللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّه إِلَخْ ) تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْله ( لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين ) أَيْ مَحْلُوف يَمِين , فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ يَمِينٍ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْمُرَاد مَا شَأْنه أَنْ يَكُون مَحْلُوفًا عَلَيْهِ ; فَهُوَ مِنْ مَجَاز الِاسْتِعَارَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِيهِ تَضْمِين فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " عَلَى أَمْر " , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون " عَلَى " بِمَعْنَى الْبَاء , فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ " إِذَا حَلَفْت بِيَمِينٍ " وَرُجِّحَ الْأَوَّل بِقَوْلِهِ " فَرَأَيْت غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا " ; لِأَنَّ الضَّمِير فِي غَيْرهَا لَا يَصِحّ عَوْدُهُ عَلَى الْيَمِين , وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعُود عَلَى مَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْضًا. وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة : الْحَلِف هُوَ الْيَمِين فَقَوْله : أَحْلِف أَيْ أَعْقِد شَيْئًا بِالْعَزْمِ وَالنِّيَّة , وَقَوْله " عَلَى يَمِين " تَأْكِيدٌ لِعَقْدِهِ وَإِعْلَام بِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَغْوًا. قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ " مَا عَلَى الْأَرْض يَمِين أَحْلِف عَلَيْهَا " الْحَدِيث , قَالَ : فَقَوْله : أَحْلِف عَلَيْهَا صِفَة مُؤَكِّدَة لِلْيَمِينِ , قَالَ : وَالْمَعْنَى لَا أَحْلِف يَمِينًا جَزْمًا لَا لَغْوَ فِيهَا ثُمَّ يَظْهَر لِي أَمْرٌ آخَرُ يَكُون فِعْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ الْمُضِيِّ فِي الْيَمِين الْمَذْكُورَة إِلَّا فَعَلْته وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي , قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله " عَلَى يَمِين " مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ أَحْلِف. تَكْمِلَةٌ : اُخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينه الْمَذْكُور كَمَا اُخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ فِي قِصَّة حَلِفِهِ عَلَى شُرْب الْعَسَل أَوْ عَلَى غِشْيَان مَارِيَة , فَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يُكَفِّرْ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ , وَإِنَّمَا نَزَلَتْ كَفَّارَة الْيَمِين تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ , وَتُعُقِّبَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عُمَر فِي قِصَّة حَلِفِهِ عَلَى الْعَسَل أَوْ مَارِيَة , فَعَاتَبَهُ اللَّه وَجَعَلَ لَهُ كَفَّارَة يَمِين , وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَفَّرَ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ نَصًّا فِي رَدِّ مَا اِدَّعَاهُ الْحَسَنُ , وَظَاهِرٌ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْبَابِ " وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي " أَنَّهُ لَا يَتْرُك ذَلِكَ , وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ كُلّه لِلتَّشْرِيعِ بَعِيدٌ. قَوْله ( وَتَحَلَّلْتهَا ) كَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد وَعَبْد الْوَارِث وَعَبْد الْوَهَّاب كُلّهمْ عَنْ أَيُّوب , وَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَة عَبْد السَّلَام " وَتَحَلَّلْتهَا " وَكَذَا لَمْ يَذْكُرهَا أَبُو السَّلِيل عَنْ زَهْدَم عِنْد مُسْلِم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْلَان عَنْ أَبِي بُرْدَة " إِلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي " بَدَل " وَتَحَلَّلْتهَا " وَهُوَ يُرَجِّح أَحَد اِحْتِمَالَيْنِ أَبْدَاهُمَا اِبْن دَقِيق الْعِيد ثَانِيهمَا إِتْيَان مَا يَقْتَضِي الْحِنْث فَإِنَّ التَّحَلُّل يَقْتَضِي سَبْق الْعَقْد , وَالْعَقْد هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِين مِنْ مُوَافَقَة مُقْتَضَاهَا , فَيَكُون التَّحَلُّل الْإِتْيَان بِخِلَافِ مُقْتَضَاهَا , لَكِنْ يَلْزَم عَلَى هَذَا أَنْ يَكُون فِيهِ تَكْرَارٌ لِوُجُودِ قَوْله " أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ " فَإِنَّ إِتْيَان الَّذِي هُوَ خَيْرٌ تَحْصُلُ بِهِ مُخَالَفَةُ الْيَمِين وَالتَّحَلُّل مِنْهَا , لَكِنْ يُمْكِن أَنْ تَكُون فَائِدَتُهُ التَّصْرِيح بِالتَّحَلُّلِ , وَذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يُنَاسِبُ الْجَوَاز صَرِيحًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ مِمَّا لَوْ ذَكَرَهُ بِالِاسْتِلْزَامِ , وَقَدْ يُقَال إِنَّ الثَّانِي أَقْوَى لِأَنَّ التَّأْسِيس أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيد , وَقِيلَ مَعْنَى " تَحَلَّلْتهَا " خَرَجْت مِنْ حُرْمَتِهَا إِلَى مَا يَحِلُّ مِنْهَا وَذَلِكَ يَكُون بِالْكَفَّارَةِ , وَقَدْ يَكُون بِالِاسْتِثْنَاءِ بِشَرْطِهِ السَّابِق , لَكِنْ لَا يَتَّجِه فِي هَذِهِ الْقِصَّة إِلَّا إِنْ كَانَ وَقَعَ مِنْهُ اِسْتِثْنَاء لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ كَأَنْ يَكُون قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه مَثَلًا أَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ إِلَّا إِنْ حَصَلَ شَيْء وَلِذَلِكَ قَالَ " وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ " قَالَ الْعُلَمَاء فِي قَوْله " مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ " الْمَعْنَى بِذَلِكَ إِزَالَة الْمِنَّة عَنْهُمْ وَإِضَافَة النِّعْمَة لِمَالِكِهَا الْأَصْلِيِّ , وَلَمْ يَرِد أَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ أَصْلًا فِي حَمْلهمْ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ مَا قَالَ بَعْد ذَلِكَ " لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَكَفَّرْت " وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : مَعْنَى قَوْله " إِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ " إِنَّ اللَّه أَعْطَانِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ , وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ يَمِينَهُ وَالنَّاسِي لَا يُضَاف إِلَيْهِ الْفِعْل , وَيَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ " وَاَللَّهِ مَا نَسِيتهَا " وَهِيَ عِنْد مُسْلِم كَمَا بَيَّنْته , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالنَّفْيِ عَنْهُ وَالْإِثْبَات لِلَّهِ الْإِشَارَة إِلَى مَا تَفَضَّلَ اللَّه بِهِ مِنْ الْغَنِيمَة الْمَذْكُورَة لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِتَسَبُّبٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا كَانَ مُتَطَلِّعًا إِلَيْهَا , وَلَا مُنْتَظِرًا لَهَا , فَكَانَ الْمَعْنَى مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ لِعَدَمِ ذَلِكَ أَوَّلًا وَلَكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ بِمَا سَاقَهُ إِلَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَة. قَوْله ( تَابَعَهُ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِم بْن عَاصِم الْكُلَيْبِيّ ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ تَابَعَهُ أَوَّلًا وَبِـ حَدَّثَنَا ثَانِيًا وَثَالِثًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ حَدَّثَاهُ بِالِاسْتِقْلَالِ وَالْأَوَّل مَعَ غَيْره , قَالَ : وَالْأَوَّل يَحْتَمِل التَّعْلِيق بِخِلَافِهِمَا. قُلْت : لَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَى قَوْله " مَعَ غَيْره " وَقَوْله " يَحْتَمِل التَّعْلِيق " يَسْتَلْزِم أَنَّهُ يَحْتَمِل عَدَم التَّعْلِيق , وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي حُكْم التَّعْلِيق لِأَنَّ الْبُخَارِيّ لَمْ يُدْرِك حَمَّادًا , وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّف مُتَابَعَة حَمَّاد بْن زَيْد فِي فَرْض الْخُمُس , ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمُتَابَعَة وَقَعَتْ فِي الرِّوَايَة عَنْ الْقَاسِم فَقَطْ وَلَكِنْ زَادَ حَمَّاد ذِكْر أَبِي قِلَابَةَ مَضْمُومًا إِلَى الْقَاسِم. قَوْله ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب ) هُوَ اِبْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ. قَوْله ( بِهَذَا ) أَيْ بِجَمِيعِ الْحَدِيث , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى أَنَّ رِوَايَة حَمَّاد وَعَبْد الْوَهَّاب مُتَّفِقَتَانِ فِي السِّيَاق , وَقَدْ سَاقَ رِوَايَة قُتَيْبَة هَذِهِ فِي " بَاب لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " تَامَّةً , وَقَدْ سَاقَهَا أَيْضًا فِي أَوَاخِر كِتَاب التَّوْحِيد عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عَبْد الْوَهَّاب الْحَجْبِيّ عَنْ الثَّقَفِيّ وَلَيْسَ بَعْد الْبَاب الَّذِي سَاقَهَا فِيهِ مِنْ الْبُخَارِيّ سِوَى بَابَيْنِ فَقَطْ. قَوْله ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر ) تَقَدَّمَ سِيَاق رِوَايَته فِي كِتَاب الذَّبَائِح , وَقَدْ بَيَّنْت مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَات مِنْ التَّخَالُف مُفَصَّلًا. وَفِي الْحَدِيث غَيْر مَا تَقَدَّمَ تَرْجِيح الْحِنْث فِي الْيَمِين إِذَا كَانَ خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي , وَأَنَّ تَعَمُّد الْحِنْث فِي مِثْل ذَلِكَ يَكُون طَاعَة لَا مَعْصِيَة , وَجَوَاز الْحَلِف مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف لِتَأْكِيدِ الْخَبَر وَلَوْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُبَالَغَة فِي تَرْجِيح الْحِنْث بِشَرْطِهِ الْمَذْكُور , وَفِيهِ تَطْيِيب قُلُوب الْأَتْبَاع , وَفِيهِ الِاسْتِثْنَاء بِـ إِنْ شَاءَ اللَّه تَبَرُّكًا , فَإِنْ قَصَدَ بِهَا حَلَّ الْيَمِين صَحَّ بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّم.