💡 شرح فتح الباري
حَدِيث أَنَس وَهُوَ الثَّانِي مِنْ أَحَادِيث الْبَاب فَذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِر الْحَجّ قُبَيْل فَضَائِل الْمَدِينَة بِتَمَامِهِ وَأَوَّله " رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْن اِبْنَيْهِ قَالَ : مَا بَال هَذَا ؟ قَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ " فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ " وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَب " وَقَوْله ( قَالَ الْفَزَارِيُّ ) يَعْنِي مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة ( عَنْ حُمَيْدٍ حَدَّثَنِي ثَابِت عَنْ أَنَس ) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق تَصْرِيح حُمَيْدٍ بِالتَّحْدِيثِ , وَقَدْ وَصَلَهُ فِي الْبَاب الْمُشَار إِلَيْهِ فِي الْحَجّ عَنْ مُحَمَّد بْن سَلَام عَنْ الْفَزَارِيِّ , وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ مُوَافِقًا لِلْفَزَارِيِّ وَمَنْ رَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ بِدُونِ ذِكْر ثَابِت فِيهِ , وَذَكَرَ الْمُصَنِّف هُنَاكَ حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ " نَدَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْت اللَّه " الْحَدِيث وَفِيهِ " لِتَمْشِي وَلْتَرْكَبْ " وَتَقَدَّمَ بَعْض الْكَلَام عَلَيْهِ ثَمَّ. وَوَقَعَ لِلْمِزِّيِّ فِي " الْأَطْرَاف " فِيهِ وَهْمٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَهُ فِي الْحَجّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى , وَفِي النُّذُور عَنْ أَبِي عَاصِم , وَالْمَوْجُود فِي نُسَخ الْبُخَارِيّ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَعًا فِي الْبَاب الْمَذْكُور مِنْ الْحَجّ , وَلَيْسَ لِحَدِيثِ عُقْبَة فِي النُّذُور ذِكْر أَصْلًا , وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّاذِر فِي حَدِيث أَنَس أَنْ يَرْكَب جَزْمًا وَأَمَرَ أُخْت عُقْبَة أَنْ تَمْشِي وَأَنْ تَرْكَب ; لِأَنَّ النَّاذِر فِي حَدِيث أَنَس كَانَ شَيْخًا ظَاهِر الْعَجْز وَأُخْت عُقْبَة لَمْ تُوصَف بِالْعَجْزِ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَمْشِي إِنْ قَدَرَتْ وَتَرْكَبَ إِنْ عَجَزَتْ , وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ لِلْحَدِيثِ , وَأَوْرَدَ فِي بَعْض طُرُقه مِنْ رِوَايَة عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " أَنَّ أُخْت عُقْبَة نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ مَاشِيَة فَقَالَ : إِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتك فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً " وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ " وَلْتُهْدِ هَدْيًا " وَوَهِمَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً , وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَة بِغَيْرِ ذِكْر الْهَدْي , وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ " جَاءَ رَجُل فَقَالَ إِنَّ أُخْتِي حَلَفَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْت , وَإِنَّهُ يَشُقّ عَلَيْهَا الْمَشْي , فَقَالَ : مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَمْشِي فَمَا أَغْنَى اللَّه أَنْ يَشُقّ عَلَى أُخْتك " وَمِنْ طَرِيق كُرَيْب عَنْ اِبْن عَبَّاس " جَاءَ رَجُل فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ مَاشِيَة , فَقَالَ : إِنَّ اللَّه لَا يَصْنَع بِشَقَاءِ أُخْتك شَيْئًا , لِتَحُجَّ رَاكِبَةً ثُمَّ لِتُكَفِّرْ يَمِينَهَا " وَأَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مَالِك عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ " نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَحُجّ مَاشِيَة غَيْر مُخْتَمِرَة فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُرْ أُخْتك فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّام " وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ لَا يَصِحّ فِيهِ الْهَدْي , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي تَمِيم الْجَيْشَانِيّ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر فِي هَذِهِ الْقِصَّة " نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَة حَافِيَةً حَاسِرَةً " وَفِيهِ " لِتَرْكَبْ وَلْتَلْبَسْ وَلْتَصُمْ " وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر نَحْوه , وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " بَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِير فِي جَوْف اللَّيْل إِذْ بَصُرَ بِخَيَّالٍ نَفَرَتْ مِنْهُ الْإِبِل , فَإِذَا اِمْرَأَة عُرْيَانَة نَافِضَةٌ شَعْرَهَا , فَقَالَتْ : نَذَرْت أَنْ أَحُجَّ مَاشِيَةً عُرْيَانَةَ نَافِضَةً شَعْرِي , فَقَالَ : مُرْهَا فَلْتَلْبَسْ ثِيَابَهَا وَلْتُهْرِقْ دَمًا " وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيق الْحَسَن عَنْ عِمْرَان رَفَعَهُ " إِذَا نَذَرَ أَحَدكُمْ أَنْ يَحُجّ مَاشِيًا فَلْيُهْدِ هَدْيًا وَلْيَرْكَبْ " وَفِي سَنَده اِنْقِطَاع , وَفِي الْحَدِيث صِحَّة النَّذْر بِإِتْيَانِ الْبَيْت الْحَرَام , وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة إِذَا لَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً لَا يَنْعَقِد , ثُمَّ إِنْ نَذَرَهُ رَاكِبًا لَزِمَهُ فَلَوْ مَشَى لَزِمَهُ دَم لِتَرَفُّهِهِ بِتَوَفُّرِ مُؤْنَة الرُّكُوب , وَإِنْ نَذَرَهُ مَاشِيًا لَزِمَهُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ إِلَى أَنْ تَنْتَهِي الْعُمْرَة أَوْ الْحَجّ , وَهُوَ قَوْل صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَة , فَإِنْ رَكِبَ بِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَلَزِمَهُ دَم فِي أَحَد الْقَوْلَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيّ , وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ ؟ وَإِنْ رَكِبَ بِلَا عُذْر لَزِمَهُ الدَّم , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة فِي الْعَاجِز يَرْجِع مِنْ قَابِل فَيَمْشِي مَا رَكِبَ إِلَّا إِنْ عَجَزَ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُهُ الْهَدْي , وَلَيْسَ فِي طُرُق حَدِيث عُقْبَة مَا يَقْتَضِي الرُّجُوع , فَهُوَ حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ , وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر لَا يَلْزَمهُ شَيْء مُطْلَقًا , قَالَ الْقُرْطُبِيّ زِيَادَة الْأَمْر بِالْهَدْيِ رُوَاتهَا ثِقَات وَلَا تُرَدّ , وَلَيْسَ سُكُوت مَنْ سَكَتَ عَنْهَا بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَهَا وَذَكَرَهَا , قَالَ : وَالتَّمَسُّك بِالْحَدِيثِ فِي عَدَم إِيجَاب الرُّجُوع ظَاهِر , وَلَكِنَّ عُمْدَة مَالِك عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. ( تَنْبِيهٌ ) : يُقَال : إِنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور فِي حَدِيث أَنَس هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل الْمَذْكُور فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الَّذِي بَعْد الْبَاب , كَذَا نَقَلَهُ مُغَلْطَاي عَنْ الْخَطِيب , وَهُوَ تَرْكِيبٌ مِنْهُ , وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَطِيب ذَلِكَ فِي الرَّجُل الْمَذْكُور فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس آخِر الْبَاب , وَتَغَايُر الْقِصَّتَيْنِ أَوْضَح مِنْ أَنْ يُتَكَلَّفَ لِبَيَانِهِ.