💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَهُوَ يَسِير ) هَذَا السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّ الْخَبَر مِنْ مُسْنَد اِبْن عُمَر , وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر , وَلَمْ أَرَ عَنْ نَافِع فِي ذَلِكَ اِخْتِلَافًا إِلَّا مَا حَكَى يَعْقُوب بْن شَيْبَة أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيَّ الضَّعِيف الْمُكَبَّر رَوَاهُ عَنْ نَافِع فَقَالَ " عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ عُمَر " قَالَ وَرَوَاهُ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ الْمُصَغَّر الثِّقَة عَنْ نَافِع فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ " عَنْ عُمَر " وَهَكَذَا رَوَاهُ الثِّقَات عَنْ نَافِع , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَيُّوب عَنْ نَافِع أَنَّ عُمَر لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر. قُلْت : قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَيُّوب فَذَكَرَهُ , وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب نَافِع بِمُوَافَقَةِ مَالِك , وَوَقَعَ لِلْمِزِّيِّ فِي " الْأَطْرَاف " أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْكَرِيم " عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر " فِي مُسْنَد عُمَر , وَهُوَ مُعْتَرَض فَإِنَّ مُسْلِمًا سَاقَ أَسَانِيده فِيهِ إِلَى سَبْعَة أَنْفُس مِنْ أَصْحَاب نَافِع مِنْهُمْ عَبْد الْكَرِيم ثُمَّ قَالَ سَبْعَتهمْ " عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر " بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّة , وَقَدْ أَوْرَدَ الْمِزِّيُّ طُرُق السِّتَّة الْآخَرِينَ فِي مُسْنَد اِبْن عُمَر عَلَى الصَّوَاب وَوَقَعَ الِاخْتِلَاف فِي رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِيهِ كَمَا أَشَارَ الْمُصَنِّف إِلَيْهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. قَوْله ( فِي رَكْبٍ ) فِي مُسْنَد يَعْقُوب بْن شَيْبَة مِنْ طَرِيق اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر " بَيْنَا أَنَا رَاكِب أَسِير فِي غَزَاة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قَوْله ( يَحْلِف بِأَبِيهِ ) فِي رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن شِهَاب " أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ عُمَر وَهُوَ يَحْلِف بِأَبِيهِ وَهُوَ يَقُول وَأَبِي وَأَبِي " وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ اِبْن عُمَر مِنْ الزِّيَادَة " وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا ". قَوْله ( فَقَالَ أَلَا إِنَّ اللَّه يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ) فِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ نَافِع " فَنَادَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَوَقَعَ فِي مُصَنَّف اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة قَالَ " قَالَ عُمَر : حَدَّثْت قَوْمًا حَدِيثًا فَقُلْت : لَا وَأَبِي , فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي. لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ , فَالْتَفَتّ فَإِذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ حَلَفَ بِالْمَسِيحِ هَلَكَ وَالْمَسِيح خَيْر مِنْ آبَائِكُمْ " وَهَذَا مُرْسَلٌ يَتَقَوَّى بِشَوَاهِدِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ وَجْه آخَر " عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُول لَا وَالْكَعْبَةِ , فَقَالَ : لَا تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللَّه , فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّه فَقَدْ كَفَرَ , أَوْ أَشْرَكَ " قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَنٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَالتَّعْبِير بِقَوْلِهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ. قَوْله ( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ) قَالَ الْعُلَمَاء : السِّرّ فِي النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه أَنَّ الْحَلِفَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ وَالْعَظَمَة فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ , وَظَاهِر الْحَدِيث تَخْصِيص الْحَلِف بِاَللَّهِ خَاصَّة , لَكِنْ قَدْ اِتَّفَقَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِد بِاَللَّهِ وَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ , وَاخْتَلَفُوا فِي اِنْعِقَادهَا بِبَعْضِ الصِّفَات كَمَا سَبَقَ , وَكَأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " بِاَللَّهِ " الذَّات لَا خُصُوص لَفْظ اللَّه , وَأَمَّا الْيَمِين بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ الْمَنْع فِيهَا , وَهَلْ الْمَنْع لِلتَّحْرِيمِ ؟ قَوْلَانِ عِنْد الْمَالِكِيَّة , كَذَا قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد , وَالْمَشْهُور عِنْدهمْ الْكَرَاهَة , وَالْخِلَاف أَيْضًا عِنْد الْحَنَابِلَة لَكِنْ الْمَشْهُور عِنْدهمْ التَّحْرِيم , وَبِهِ جَزَمَ الظَّاهِرِيَّة. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَا يَجُوز الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه بِالْإِجْمَاعِ , وَمُرَاده بِنَفْيِ الْجَوَاز الْكَرَاهَة أَعَمّ مِنْ التَّحْرِيم وَالتَّنْزِيه , فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْيَمِين بِغَيْرِ اللَّه مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوز لِأَحَدٍ الْحَلِفُ بِهَا , وَالْخِلَاف مَوْجُود عِنْد الشَّافِعِيَّة مِنْ أَجْل قَوْل الشَّافِعِيّ : أَخْشَى أَنْ يَكُون الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه مَعْصِيَة , فَأَشْعَرَ بِالتَّرَدُّدِ , وَجُمْهُور أَصْحَابه عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : الْمَذْهَب الْقَطْع بِالْكَرَاهَةِ , وَجَزَمَ غَيْره بِالتَّفْصِيلِ , فَإِنْ اِعْتَقَدَ فِي الْمَحْلُوف فِيهِ مِنْ التَّعْظِيم مَا يَعْتَقِدهُ فِي اللَّه حَرُمَ الْحَلِف بِهِ وَكَانَ بِذَلِكَ الِاعْتِقَاد كَافِرًا , وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُور , وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّه لِاعْتِقَادِهِ تَعْظِيم الْمَحْلُوف بِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ التَّعْظِيم فَلَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يُحَلِّفَ أَحَدًا بِغَيْرِ اللَّه لَا بِطَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا نَذْرٍ , وَإِذَا حَلَّفَ الْحَاكِمُ أَحَدًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَزْلُهُ لِجَهْلِهِ.