💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الرَّبِيع ) هُوَ أَبُو عَلِيّ الْبُورَانِيّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاء وَبَعْد الْأَلِف نُون , وَأَبُو الْأَحْوَص هُوَ سَلَّام بِالتَّشْدِيدِ اِبْن سُلَيْمٍ. قَوْله ( فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدُ ) فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع " فَالْتَفَتَ فَرَآنِي " كَمَا تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ قِصَّة الْمُكْثِرِينَ وَالْمُقِلِّينَ , وَقَوْله " فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُد " هُوَ بِفَتْحِ اللَّام , وَأُحُد بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّة , وَفِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث " فَاسْتَقْبَلْنَا أُحُدًا " بِسُكُونِ اللَّام وَأُحُدًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة. قَوْله ( فَقَالَ يَا أَبَا ذَرّ , فَقُلْت : لَبَّيْكَ يَا رَسُول اللَّه ) زَادَ فِي رِوَايَة سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد وَمَنْصُور عَنْ زَيْد بْن وَهْب عِنْد أَحْمَد " فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرّ أَيّ جَبَل هَذَا ؟ قُلْت : أُحُد " وَفِي رِوَايَة الْأَحْنَف الْمَاضِيَة فِي الزَّكَاة " يَا أَبَا ذَرّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا ؟ قَالَ : فَنَظَرْت إِلَى الشَّمْس مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَار , وَأَنَا أَرَى أَنْ يُرْسِلنِي فِي حَاجَة لَهُ فَقُلْت : نَعَمْ ". قَوْله ( مَا يَسُرّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْل أُحُد هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار ) فِي رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث ( مَا أُحِبّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا يَأْتِي عَلَيَّ يَوْم وَلَيْلَة أَوْ ثَلَاث عِنْدِي مِنْهُ دِينَار ) وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَحْمَد " مَا أُحِبّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَاكَ ذَهَبًا " وَفِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب عَنْ الْأَعْمَش فِي الِاسْتِئْذَان " فَلَمَّا أَبْصَرَ أُحُدًا قَالَ : مَا أُحِبّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُث عِنْدِي مِنْهُ دِينَار فَوْق ثَلَاث " قَالَ اِبْن مَالِك تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث اِسْتِعْمَال حَوَّلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ وَأَعْمَلَهَا عَمَلهَا , وَهُوَ اِسْتِعْمَال صَحِيح خَفِيَ عَلَى أَكْثَر النُّحَاة , وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة مُبَيِّنَة لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله فَرَفَعَتْ أَوَّل الْمَفْعُولَيْنِ وَهُوَ ضَمِير عَائِد عَلَى أُحُد وَنُصِبَ ثَانِيهمَا وَهُوَ قَوْله " ذَهَبًا " فَصَارَتْ بِبِنَائِهَا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله جَارِيَة مَجْرَى صَارَ فِي رَفْع الْمُبْتَدَأ وَنَصْب الْخَبَر. اِنْتَهَى كَلَامه. وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ هَذَا الْحَدِيث , وَهُوَ مُتَّحِد الْمَخْرَج فَهُوَ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة فَلَا يَكُون حُجَّة فِي اللُّغَة , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن قَوْله " مِثْل أُحُد " وَبَيْن قَوْله " تَحَوَّلَ لِي أُحُد " بِحَمْل الْمِثْلِيَّة عَلَى شَيْء يَكُون وَزْنه مِنْ الذَّهَب وَزْن أُحُد , وَالتَّحْوِيل عَلَى أَنَّهُ إِذَا اِنْقَلَبَ ذَهَبًا كَانَ قَدْر وَزْنه أَيْضًا. وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ رُوَاته عَنْ أَبِي ذَرّ أَيْضًا : فَفِي رِوَايَة سَالِم وَمَنْصُور عَنْ زَيْد بْن وَهْب بَعْد قَوْله قُلْت أُحُد قَالَ " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَسُرّنِي أَنَّهُ ذَهَب قَطْعًا أُنْفِقهُ فِي سَبِيل اللَّه أَدَع مِنْهُ قِيرَاطًا " وَفِي رِوَايَة سُوَيْد بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي ذَرّ " مَا يَسُرّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا أَمُوت يَوْم أَمُوت وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار أَوْ نِصْف دِينَار ". وَاخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ الرُّوَاة أَيْضًا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب كَمَا سَأَذْكُرُهُ. قَوْله ( تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَة ) أَيْ لَيْلَة ثَالِثَة , قِيلَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأ تَفْرِيق قَدْر أُحُد مِنْ الذَّهَب فِي أَقَلَّ مِنْهَا غَالِبًا , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ رِوَايَة " يَوْم وَلَيْلَة " فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال الثَّلَاثَة أَقْصَى مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَفْرِقَة مِثْل ذَلِكَ , وَالْوَاحِدَة أَقَلّ مَا يُمْكِن. قَوْله ( إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدهُ لِدَيْنٍ ) أَيْ أَعُدُّهُ أَوْ أَحْفَظهُ. وَهَذَا الْإِرْصَاد أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون لِصَاحِبِ دَيْن غَائِب حَتَّى يَحْضُر فَيَأْخُذهُ , أَوْ لِأَجْلِ وَفَاء دَيْن مُؤَجَّل حَتَّى يَحِلّ فَيُوَفَّى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَفْص وَأَبِي شِهَاب جَمِيعًا عَنْ الْأَعْمَش " إِلَّا دِينَار " بِالرَّفْعِ , وَالنَّصْب وَالرَّفْع جَائِزَانِ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُطْلَق عَامّ وَالْمُسْتَثْنَى مُقَيَّد خَاصّ فَاتَّجَهَ النَّصْب , وَتَوْجِيه الرَّفْع أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي سِيَاق النَّفْي وَجَوَاب لَوْ هُنَا فِي تَقْدِير النَّفْي , وَيَجُوز أَنْ يُحْمَل النَّفْي الصَّرِيح فِي أَنْ لَا يَمُرّ عَلَى حَمْل إِلَّا عَلَى الصِّفَة , وَقَدْ فُسِّرَ الشَّيْء فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِالدِّينَارِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سُوَيْد بْن الْحَارِث عَنْ أَبِي ذَرّ " وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار أَوْ نِصْف دِينَار " وَفِي رِوَايَة سَالِم وَمَنْصُور " أَدَع مِنْهُ قِيرَاطًا. قَالَ قُلْت : قِنْطَارًا ؟ قَالَ : قِيرَاطًا " وَفِيهِ " ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرّ إِنَّمَا أَقُول الَّذِي هُوَ أَقَلّ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَحْنَف " مَا أُحِبّ أَنَّ لِي مِثْل أُحُد ذَهَبَا أُنْفِقهُ كُلّه إِلَّا ثَلَاثَة دَنَانِير " فَظَاهِره نَفْي مَحَبَّة حُصُول الْمَال وَلَوْ مَعَ الْإِنْفَاق وَلَيْسَ مُرَادًا , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى نَفْي إِنْفَاق الْبَعْض مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ , فَهُوَ يُحِبّ إِنْفَاق الْكُلّ إِلَّا مَا اِسْتَثْنَى , وَسَائِر الطُّرُق تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد " مَا يَسُرّنِي أَنَّ أُحُدكُمْ هَذَا ذَهَبًا أُنْفِق مِنْهُ كُلّ يَوْم فِي سَبِيل اللَّه فَيَمُرّ بِي ثَلَاثَة أَيَّام وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء إِلَّا شَيْء أَرْصُدهُ لِدَيْنٍ " وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَالْمُرَاد بِالْكَرَاهَةِ الْإِنْفَاق فِي خَاصَّة نَفْسه لَا فِي سَبِيل اللَّه فَهُوَ مَحْبُوب. قَوْله ( إِلَّا أَنْ أَقُول بِهِ فِي عِبَاد اللَّه ) هُوَ اِسْتِثْنَاء بَعْد اِسْتِثْنَاء فَيُفِيد الْإِثْبَات , فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ نَفْي مَحَبَّة الْمَال مُقَيَّدَة بِعَدَمِ الْإِنْفَاق فَيَلْزَم مَحَبَّة وُجُوده مَعَ الْإِنْفَاق , فَمَادَامَ الْإِنْفَاق مُسْتَمِرًّا لَا يُكْرَه وُجُود الْمَال , وَإِذَا اِنْتَفَى الْإِنْفَاق ثَبَتَتْ كَرَاهِيَة وُجُود الْمَال , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ كَرَاهِيَة حُصُول شَيْء آخَر وَلَوْ كَانَ قَدْر أُحُد أَوْ أَكْثَر مَعَ اِسْتِمْرَار الْإِنْفَاق. قَوْله ( هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا , عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله وَمِنْ خَلْفه ) هَكَذَا اِقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاث , وَحُمِلَ عَلَى الْمُبَالَغَة لِأَنَّ الْعَطِيَّة لِمَنْ بَيْن يَدَيْهِ هِيَ الْأَصْل , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفَات الرُّوَاة , وَأَنَّ أَصْل الْحَدِيث مُشْتَمِل عَلَى الْجِهَات الْأَرْبَع , ثُمَّ وَجَدْته فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ " الْبُشْرَانِيَّات " مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْن مُلَاعِب عَنْ عُمَر اِبْن حَفْص بْن غِيَاث عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ " إِلَّا أَنْ أَقُول بِهِ فِي عِبَاد اللَّه هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا , وَأَرَانَا بِيَدِهِ " كَذَا فِيهِ بِإِثْبَاتِ الْأَرْبَع , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّف فِي الِاسْتِئْذَان عَنْ عُمَر بْن حَفْص مِثْله , لَكِنْ اِقْتَصَرَ مِنْ الْأَرْبَع عَلَى ثَلَاث , وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق سَهْل بْن بَحْر عَنْ عُمَر بْن حَفْص فَاقْتَصَرَ عَلَى ثِنْتَيْنِ. قَوْله ( ثُمَّ مَشَى ثُمَّ قَالَ : أَلَا إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْم الْقِيَامَة ) فِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب فِي الِاسْتِقْرَاض وَرِوَايَة حَفْص فِي الِاسْتِئْذَان " هُمْ الْأَقَلُّونَ " بِالْهَمْز فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع الْمَاضِيَة فِي الْبَاب قَبْله " إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ " بِالْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَلِأَحْمَد مِنْ رِوَايَة النُّعْمَان الْغِفَارِيِّ عَنْ أَبِي ذَرّ " إِنَّ الْمُكْثِرِينَ الْأَقَلُّونَ " وَالْمُرَاد الْإِكْثَار مِنْ الْمَال وَالْإِقْلَال مِنْ ثَوَاب الْآخِرَة وَهَذَا فِي حَقّ مَنْ كَانَ مُكْثِرًا وَلَمْ يَتَّصِف بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاء بَعْده مِنْ الْإِنْفَاق. قَوْله ( إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا , عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله وَمِنْ خَلْفه ) فِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب " إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا , وَأَشَارَ أَبُو شِهَاب بَيْن يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله " وَفِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عِنْد أَحْمَد " إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَحَثَا عَنْ يَمِينه وَمِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَاره " فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَات عَلَى الْجِهَات الْأَرْبَع وَإِنْ كَانَ كُلّ مِنْهَا اِقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاث , وَقَدْ جَمَعَهَا عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع فِي رِوَايَته وَلَفْظه " إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّه خَيْرًا - أَيْ مَالًا - فَنَفَحَ بِنُونٍ وَفَاء وَمُهْمَلَة أَيْ أَعْطَى كَثِيرًا بِغَيْرِ تَكَلُّف يَمِينًا وَشِمَالًا وَبَيْن يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ " وَبَقِيَ مِنْ الْجِهَات فَوْق وَأَسْفَل , وَالْإِعْطَاء مِنْ قِبَل كُلّ مِنْهُمَا مُمْكِن , لَكِنْ حُذِفَ لِنُدُورِهِ. وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضهمْ الْإِنْفَاق مِنْ وَرَاء بِالْوَصِيَّةِ , وَلَيْسَ قَيْدًا فِيهِ بَلْ قَدْ يُقْصَد الصَّحِيح الْإِخْفَاء فَيَدْفَع لِمَنْ وَرَاءَهُ مَالًا يُعْطِي بِهِ مَنْ هُوَ أَمَامه. وَقَوْله " هَكَذَا " صِفَة لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف أَيْ أَشَارَ إِشَارَة مِثْل هَذِهِ الْإِشَارَة , وَقَوْله " مِنْ خَلْفه " بَيَان لِلْإِشَارَةِ وَخَصَّ عَنْ الْيَمِين وَالشِّمَال لِأَنَّ الْغَالِب فِي الْإِعْطَاء صُدُوره بِالْيَدَيْنِ , وَزَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع " وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا " أَيْ حَسَنَة وَفِي سِيَاقه جِنَاس تَامّ فِي قَوْله أَعْطَاهُ اللَّه خَيْرًا , وَفِي قَوْله وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا , فَمَعْنَى الْخَيْر الْأَوَّل الْمَال وَالثَّانِي الْحَسَنَة. قَوْله ( وَقَلِيل مَا هُمْ ) مَا زَائِدَة مُؤَكِّدَة لِلْقِلَّةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون مَوْصُوفَة , وَلَفْظ قَلِيل هُوَ الْخَبَر وَهُمْ هُوَ الْمُبْتَدَأ وَالتَّقْدِير وَهُمْ قَلِيل , وَقَدَّمَ الْخَبَر لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاخْتِصَاص. قَوْله ( ثُمَّ قَالَ لِي : مَكَانك ) بِالنَّصْبِ أَيْ اِلْزَمْ مَكَانك , وَقَوْله " لَا تَبْرَح " تَأْكِيد لِذَلِكَ , وَرُفِعَ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْأَمْر بِلُزُومِ الْمَكَان لَيْسَ عَامًّا فِي الْأَزْمِنَة , وَقَوْله " حَتَّى آتِيك " غَايَة لِلُزُومِ الْمَكَان الْمَذْكُور , وَفِي رِوَايَة حَفْص " لَا تَبْرَح يَا أَبَا ذَرّ حَتَّى أَرْجِع " وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز بْن رُفَيْع " فَمَشَيْت مَعَهُ سَاعَة , فَقَالَ لِي اِجْلِسْ هَا هُنَا , فَأَجْلَسَنِي فِي قَاع " أَيْ أَرْض سَهْلَة مُطَمْئِنَة. قَوْله ( ثُمَّ اِنْطَلَقَ فِي سَوَاد اللَّيْل ) فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ الْقَمَر كَانَ قَدْ غَابَ. قَوْله ( حَتَّى تَوَارَى ) أَيْ غَابَ شَخْصه , زَادَ أَبُو مُعَاوِيَة " عَنِّي " وَفِي رِوَايَة حَفْص " حَتَّى غَابَ عَنِّي " وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز " فَأَطْلَقَ فِي الْحَرَّة - أَيْ دَخَلَ فِيهَا - حَتَّى لَا أَرَاهُ " وَفِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب " فَتَقَدَّمَ غَيْر بَعِيد " زَادَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز " فَأَطَالَ اللُّبْث ". قَوْله ( فَسَمِعْت صَوْتًا قَدْ اِرْتَفَعَ ) فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة " فَسَمِعْت لَغَطًا وَصَوْتًا ". قَوْله ( فَتَخَوَّفْت أَنْ يَكُون أَحَد عَرَضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ تَعَرَّضَ لَهُ بِسُوءٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز " فَتَخَوَّفْت أَنْ يَكُون عُرِضَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّل عُرِضَ عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجْهُولِ. قَوْله ( فَأَرَدْت أَنْ آتِيه ) أَيْ أَتَوَجَّه إِلَيْهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز " فَأَرَدْت أَنْ أَذْهَب " أَيْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَوَجَّه إِلَى حَال سَبِيله بِدَلِيلِ رِوَايَة الْأَعْمَش فِي الْبَاب. قَوْله ( فَذَكَرْت قَوْله لَا تَبْرَح فَلَمْ أَبْرَح حَتَّى أَتَانِي ) فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش " فَانْتَظَرْته حَتَّى جَاءَ ". قَوْله ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه لَقَدْ سَمِعْت صَوْتًا تَخَوَّفْت فَذَكَرْت لَهُ ) فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة " فَذَكَرْت لَهُ الَّذِي سَمِعْت " وَفِي رِوَايَة أَبِي شِهَاب " فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه الَّذِي سَمِعْت أَوْ قَالَ الصَّوْت الَّذِي سَمِعْت " كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز " ثُمَّ إِنِّي سَمِعْته وَهُوَ يَقُول وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى , فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه مَنْ تَكَلَّمَ فِي جَانِب الْحَرَّة مَا سَمِعْت أَحَدًا يُرْجِع إِلَيْك شَيْئًا ". قَوْله ( فَقَالَ وَهَلْ سَمِعْته ؟ قُلْت نَعَمْ. قَالَ ذَلِكَ جِبْرِيل ) أَيْ الَّذِي كُنْت أُخَاطِبهُ , أَوْ ذَلِكَ صَوْت جِبْرِيل. قَوْله ( أَتَانِي ) زَادَ فِي رِوَايَة حَفْص " فَأَخْبَرَنِي ". وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز " عَرَضَ لِي - أَيْ ظَهَرَ - فَقَالَ : بَشِّرْ أُمَّتك " وَلَمْ أَرَ لَفْظ التَّبْشِير فِي رِوَايَة الْأَعْمَش. قَوْله ( مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا ) زَادَ الْأَعْمَش " مِنْ أُمَّتك ". قَوْله ( دَخَلَ الْجَنَّة ) هُوَ جَوَاب الشَّرْط. رَتَّبَ دُخُول الْجَنَّة عَلَى الْمَوْت بِغَيْرِ إِشْرَاك بِاَللَّهِ , وَقَدْ ثَبَتَ الْوَعِيد بِدُخُولِ النَّار لِمَنْ عَمِلَ بَعْض الْكَبَائِر , وَبِعَدَمِ دُخُول الْجَنَّة لِمَنْ عَمِلَهَا فَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاسْتِفْهَام. قَوْله ( قُلْت وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) قَالَ اِبْن مَالِك : حَرْف الِاسْتِفْهَام فِي أَوَّل هَذَا الْكَلَام مُقَدَّر وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِيره. وَقَالَ غَيْره التَّقْدِير أَوْ إِنْ زَنَى أَوْ إِنْ سَرَقَ دَخَلَ الْجَنَّة. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أُدْخِلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. وَالشَّرْط حَال , وَلَا يَذْكُر الْجَوَاب مُبَالَغَة , وَتَتْمِيمًا لِمَعْنَى الْإِنْكَار قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز اِبْن رُفَيْع " قُلْت يَا جِبْرِيل وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ". وَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ لِلْأَكْثَرِ وَثَلَاثًا لِلْمُسْتَمْلِي وَزَادَ فِي آخِر الثَّالِثَة " وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْر " وَكَذَا وَقَعَ التَّكْرَار ثَلَاثًا فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَد عَنْ أَبِي ذَرّ فِي اللِّبَاس , لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الزِّنَا عَلَى السَّرِقَة كَمَا فِي رِوَايَة الْأَعْمَش , وَلَمْ يَقُلْ " وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْر " وَلَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَة الْأَعْمَش , وَزَادَ أَبُو الْأَسْوَد " عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ " قَالَ وَكَانَ أَبُو ذَرّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث يَقُول " وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ " وَزَادَ حَفْص اِبْن غِيَاث فِي رِوَايَته عَنْ الْأَعْمَش : قَالَ الْأَعْمَش قُلْت لِزَيْدِ بْن وَهْب إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَبُو الدَّرْدَاء قَالَ أَشْهَد لَحَدَّثَنِيهِ أَبُو ذَرّ بِالرَّبْذَةِ. قَالَ الْأَعْمَش : وَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء نَحْوه. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي نُمَيْر عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء بِلَفْظِ " إِنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة " نَحْوه , وَفِيهِ " وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء " , قَالَ الْبُخَارِيّ فِي بَعْض النُّسَخ عَقِب رِوَايَة حَفْص : حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء مُرْسَل لَا يَصِحّ إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ أَيْ إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرهُ لِلْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ. قَالَ : وَالصَّحِيح حَدِيث أَبِي ذَرّ قِيلَ لَهُ : فَحَدِيث عَطَاء اِبْن يَسَار عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ؟ فَقَالَ : مُرْسَل أَيْضًا لَا يَصِحّ. ثُمَّ قَالَ : اِضْرِبُوا عَلَى حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء. قُلْت : فَلِهَذَا هُوَ سَاقِط مِنْ مُعْظَم النُّسَخ , وَثَبَتَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ , وَأَوَّله قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه حَدِيث أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مُرْسَل , فَسَاقَهُ إِلَخْ. وَرِوَايَة عَطَاء بْن يَسَار الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن أَبِي حَرْمَلَة عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ يَقُصّ عَلَى الْمِنْبَر يَقُول ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَام رَبّه جَنَّتَانِ ) فَقُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , فَأَعَدْت فَأَعَادَ فَقَالَ فِي الثَّالِثَة قَالَ : نَعَمْ وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء " وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِ عَطَاء بْن يَسَار لَهُ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاء فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي حَاتِم فِي " التَّفْسِير " وَالطَّبَرَانِيِّ فِي " الْمُعْجَم " وَالْبَيْهَقِيِّ فِي " الشُّعَب " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء هَذَا غَيْر حَدِيث أَبِي ذَرّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْض مَعْنَاهُ. قُلْت : وَهُمَا قِصَّتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ , وَإِنْ اِشْتَرَكَتَا فِي الْمَعْنَى الْأَخِير وَهُوَ سُؤَال الصَّحَابِيّ بِقَوْلِهِ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , وَاشْتَرَكَا أَيْضًا فِي قَوْله وَإِنْ رَغِمَ , وَمِنْ الْمُغَايَرَة بَيْنهمَا أَيْضًا وُقُوع الْمُرَاجَعَة الْمَذْكُورَة بَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِبْرِيل فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ دُون أَبِي الدَّرْدَاء , وَلَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء طُرُق أُخْرَى مِنْهَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء نَحْو رِوَايَة عَطَاء بْن يَسَار , وَمِنْهَا لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق أُمّ الدَّرْدَاء عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ بِلَفْظِ " مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه دَخَلَ الْجَنَّة , فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء " وَمِنْ طَرِيق أَبِي مَرْيَم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء نَحْوه , وَمِنْ طَرِيق كَعْب بْن ذُهْلٍ " سَمِعْت أَبَا الدَّرْدَاء رَفَعَهُ. أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ مَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه يَجِد اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا , فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ثُمَّ ثَلَّثْت فَقَالَ عَلَى رَغْم أَنْف عُوَيْمِر فَرَدَّدَهَا , قَالَ فَأَنَا رَأَيْت أَبَا الدَّرْدَاء يَضْرِب أَنْفه بِإِصْبَعِهِ " وَمِنْهَا لِأَحْمَد مِنْ طَرِيق وَاهِب بْن عَبْد اللَّه الْمُغَافِرِيّ " عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَفَعَهُ : مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير دَخَلَ الْجَنَّة , قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ , عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي الدَّرْدَاء. قَالَ فَخَرَجْت لِأُنَادِيَ بِهَا فِي النَّاس , فَلَقِيَنِي عُمَر فَقَالَ : اِرْجِعْ , فَإِنَّ النَّاس إِنْ يَعْلَمُوا بِهَذَا اِتَّكَلُوا عَلَيْهَا , فَرَجَعْت فَأَخْبَرْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَدَقَ عُمَر " قُلْت : وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة الْأَخِيرَة لِأَبِي هُرَيْرَة , وَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي " بَاب مَنْ جَاهَدَ فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى " قَرِيبًا.