💡 شرح فتح الباري
حَدِيث أَنَس " يُجَاءُ بِالْكَافِرِ " ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَة هِشَام الدَّسْتِوَائِيِّ وَمِنْ رِوَايَة سَعِيدٍ وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ وَسَاقَهُ بِلَفْظِ سَعِيد , وَأَمَّا لَفْظُ هِشَام فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ " يُقَال لِلْكَافِرِ " وَالْبَاقِي مِثْلُهُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِ يُجَاءُ وَيُقَال , وَسَيَأْتِي بَعْد بَاب فِي " بَاب صِفَة الْجَنَّة وَالنَّار " مِنْ رِوَايَة أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَس التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ " يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لَوْ أَنَّ لَك مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْت تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُول نَعَمْ " وَرَوَاهُ مُسْلِم وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق ثَابِت عَنْ أَنَسٍ , وَظَاهِر سِيَاقِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ لِلْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَفْظُهُ " يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ يَا اِبْنَ آدَمَ كَيْفَ وَجَدْت مَضْجَعَك ؟ فَيَقُولُ : شَرَّ مَضْجَعٍ , فَيُقَال لَهُ : هَلْ تَفْتَدِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ , فَيُقَال لَهُ كَذَبْت " وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْمَضْجَعِ هُنَا مَضْجَعه فِي الْقَبْرِ فَيَلْتَئِمُ مَعَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى. قَوْلُهُ ( فَيُقَالُ لَهُ ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ كَذَبْت. قَوْله ( قَدْ كُنْت سُئِلْت مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ ) فِي رِوَايَة أَبِي عِمْرَانَ فَيَقُول " أَرَدْت مِنْك مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ : أَنْ لَا تُشْرِكَ شَيْئًا , فَأَبَيْت إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي " وَفِي رِوَايَة ثَابِت " قَدْ سَأَلْتُك أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ " قَالَ عِيَاضٌ : يُشِير بِذَلِكَ إِلَى قَوْله تَعَالَى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الْآيَةَ فَهَذَا الْمِيثَاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْبِ آدَمَ , فَمَنْ وَفَّى بِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ , وَمَنْ لَمْ يُوَفِّ بِهِ فَهُوَ الْكَافِرُ , فَمُرَادُ الْحَدِيثِ أَرَدْت مِنْك حِينَ أَخَذْت الْمِيثَاقَ فَأَبَيْت إِذْ أَخْرَجْتُك إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشِّرْكَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْإِرَادَةِ هُنَا الطَّلَب وَالْمَعْنَى أَمَرْتُك فَلَمْ تَفْعَلْ , لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَكُون فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يُرِيدُ. وَاعْتَرَضَ بَعْض الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يُرِيدُ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ وَلَا مُسْتَحِيلٍ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرَادَ إِيمَان الْمُؤْمِن وَكُفْر الْكَافِر , وَلَوْ أَرَادَ مِنْ الْكَافِر الْإِيمَان لَآمَنَ , يَعْنِي لَوْ قَدَّرَهُ عَلَيْهِ لَوَقَعَ. وَقَالَ أَهْل الِاعْتِزَالِ : بَلْ أَرَادَ مِنْ الْجَمِيعِ الْإِيمَانَ فَأَجَابَ الْمُؤْمِنُ وَامْتَنَعَ الْكَافِر , فَحَمَلُوا الْغَائِبَ عَلَى الشَّاهِدِ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ مُرِيد الشَّرّ شِرِّيرٌ وَالْكُفْرُ شَرٌّ فَلَا يَصِحّ أَنْ يُرِيدَهُ الْبَارِي. وَأَجَابَ أَهْل السُّنَّة عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّرَّ شَرٌّ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ , وَأَمَّا فِي حَقِّ الْخَالِقِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ , وَإِنَّمَا كَانَتْ إِرَادَةُ الشَّرِّ شَرًّا لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهُ , وَالْبَارِي سُبْحَانه لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ يَأْمُرُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقَاسَ إِرَادَتُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ , وَأَيْضًا فَالْمُرِيدُ لِفِعْلٍ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مَا أَرَادَهُ آذَنَ ذَلِكَ بِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ وَالْبَارِي تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْعَجْزِ وَالضَّعْف فَلَوْ أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنْ الْكَافِرِ وَلَمْ يُؤْمِنْ لَآذَنَ ذَلِكَ بِعَجْزٍ وَضَعْفٍ , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ , وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) وَأُجِيبُوا بِأَنَّهُ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِمَنْ قَضَى اللَّهُ لَهُ الْإِيمَانَ , فَعِبَادُهُ عَلَى هَذَا الْمَلَائِكَة وَمُؤْمِنُو الْإِنْس وَالْجِنّ وَقَالَ آخَرُونَ : الْإِرَادَة مَعْنَى الرِّضَا , وَمَعْنَى قَوْله ( وَلَا يَرْضَى ) أَيْ لَا يَشْكُرُهُ لَهُمْ وَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهِ , فَعَلَى هَذَا فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ. وَقِيلَ مَعْنَى الرِّضَا أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ دِينًا مَشْرُوعًا لَهُمْ , وَقِيلَ الرِّضَا صِفَةٌ وَرَاءَ الْإِرَادَةِ , وَقِيلَ الْإِرَادَةُ تُطْلَقُ بِإِزَاءِ شَيْئَيْنِ إِرَادَة تَقْدِير وَإِرَادَة رِضًا , وَالثَّانِيَة أَخَصُّ مِنْ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ : الرِّضَا مِنْ اللَّهِ إِرَادَةُ الْخَيْرِ كَمَا أَنَّ السُّخْطَ إِرَادَةُ الشَّرِّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْله " فَيُقَالُ لَهُ كَذَبْت " مَعْنَاهُ لَوْ رَدَدْنَاك إِلَى الدُّنْيَا لَمَا اِفْتَدَيْت لِأَنَّك سُئِلْت أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَبَيْت , وَيَكُون مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى ( لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ). قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ جَوَازُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ يَقُولُ اللَّهُ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ , وَقَالَ : إِنَّمَا يَجُوزُ قَالَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ. وَقَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ).