" تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلاً لأَهْلِ الْجَنَّةِ ". فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَلاَ أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ " بَلَى ". قَالَ تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْنَا، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ أَلاَ أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ قَالَ إِدَامُهُمْ بَالاَمٌ وَنُونٌ. قَالُوا وَمَا هَذَا قَالَ ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا.
أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم باب منزل أهل الجنة رقم 2792 (خبزة) قطعة عجينة مخبوزة وهي الرغيف. (يتكفؤها) يميلها ويقلبها. والمعنى أن الله تعالى يجعل الأرض كالرغيف الكبير يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم حتى يفرغ من الحساب والله تعالى قادر على كل شيء (نزلا) ضيافة. (نواجذه) أواخر أسنانه. (بالام) كلمة عبرانية معناها بالعربية الثور. (نون) حوت. (زائدة كبدهما) القطعة المتعلقة بالكبد وهي أطيبه وألذه
قَوْله ( عَنْ خَالِد ) هُوَ اِبْن يَزِيدَ وَفِي رِوَايَة شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ " حَدَّثَنِي خَالِد بْن يَزِيدَ " وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَى سَعِيدٍ وَمِنْهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ مَدَنِيُّونَ. قَوْله ( تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يَعْنِي أَرْض الدُّنْيَا ( خُبْزَة ) بِضَمِّ الْحَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَفَتْحِ الزَّايِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخُبْزَة الطُّلْمَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام وَهُوَ عَجِينٌ يُوضَعُ فِي الْحُفْرَةِ بَعْد إِيقَادِ النَّارِ فِيهَا قَالَ وَالنَّاس يُسَمُّونَهَا الْمَلَّةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيد اللَّامِ وَإِنَّمَا الْمَلَّةُ الْحُفْرَةُ نَفْسُهَا. قَوْله ( يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْكَاف وَتَشْدِيد الْفَاء الْمَفْتُوحَة بَعْدهَا هَمْزَةٌ أَيْ يَمِيلُهَا مِنْ كَفَأْت الْإِنَاءَ إِذَا قَلَّبْته وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ " يَكْفَؤُهَا " بِسُكُونِ الْكَافِ. قَوْله ( كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَعْنِي خُبْزَ الْمَلَّةِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمُسَافِرُ فَإِنَّهَا لَا تُدْحَى كَمَا تُدْحَى الرُّقَاقَةُ وَإِنَّمَا تُقَلَّبُ عَلَى الْأَيْدِي حَتَّى تَسْتَوِيَ وَهَذَا عَلَى أَنَّ السَّفَرَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْع سُفْرَة وَهُوَ الطَّعَام الَّذِي يُتَّخَذ لِلْمُسَافِرِ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ السُّفْرَةُ. قَوْله ( نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ) النُّزُلُ بِضَمِّ النُّون وَبِالزَّايِ وَقَدْ تُسَكَّنُ. مَا يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ وَلِلْعَسْكَرِ يُطْلَق عَلَى الرِّزْق وَعَلَى الْفَضْل وَيُقَال أَصْلَحَ لِلْقَوْمِ نُزُلَهُمْ أَيْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِ مِنْ الْغِذَاءِ وَعَلَى مَا يُعَجَّلُ لِلضَّيْفِ قَبْل الطَّعَام وَهُوَ اللَّائِقُ هُنَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْكُل مِنْهَا مَنْ سَيَصِيرُ إِلَى الْجَنَّة مِنْ أَهْل الْمَحْشَرِ لَا أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَهَا حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. قُلْت : وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يُخَالِفُهُ وَكَأَنَّهُ بَنَى عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : تَكُون الْأَرْض خُبْزَةً بَيْضَاءَ يَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ. وَمِنْ طَرِيق أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْبٍ أَوْ مُحَمَّد اِبْن قَيْسٍ نَحْوه وَلِلْبَيْهَُقِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ مِثْلَ الْخُبْزَةِ يَأْكُل مِنْهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَفْرَغُوا مِنْ الْحِسَاب. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ نَحْوُهُ. وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّة مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُشْكِلٌ جِدًّا لَا مِنْ جِهَةِ إِنْكَارِ صُنْعِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ بَلْ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ عَلَى قَلْبِ جِرْمِ الْأَرْضِ مِنْ الطَّبْع الَّذِي عَلَيْهِ إِلَى طَبْعِ الْمَطْعُومِ وَالْمَأْكُول مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الْآثَارِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ تَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا وَتَنْضَمُّ إِلَى جَهَنَّمَ فَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِيهِ أَنَّ مَعْنَى قَوْله خُبْزَةً وَاحِدَةً أَيْ كَخُبْزَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَعْتِهَا كَذَا وَكَذَا وَهُوَ نَظِير مَا فِي حَدِيث سَهْلٍ يَعْنِي الْمَذْكُور بَعْده كَقُرْصَةِ النَّقِي فَضَرَبَ الْمَثَل بِهَا لِاسْتِدَارَتِهَا وَبَيَاضِهَا فَضَرْبُ الْمَثَلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِخُبْزَةٍ تُشْبِهُ الْأَرْضَ فِي مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا بَيَان الْهَيْئَة الَّتِي تَكُون الْأَرْض عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ وَالْآخَر بَيَان الْخُبْزَة الَّتِي يُهَيِّئُهَا اللَّهُ تَعَالَى نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّة وَبَيَان عِظَم مِقْدَارِهَا اِبْتِدَاعًا وَاخْتِرَاعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ لِأَنَّهُ رَأَى الْحَدِيثَيْنِ فِي بَابِ الْحَشْرِ فَظَنَّ أَنَّهُمَا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيث مِنْ بَابٍ وَحَدِيثُ سَهْلٍ مِنْ بَابٍ وَأَيْضًا فَالتَّشْبِيهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُشَارَكَةَ بَيْن الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ بَلْ يَكْفِي حُصُولُهُ فِي الْبَعْضِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ أَرْضَ الْحَشْرِ بِالْخُبْزَةِ فِي الِاسْتِوَاءِ وَالْبَيَاضِ وَشَبَّهَ أَرْضَ الْجَنَّةِ فِي كَوْنِهَا نُزُلًا لِأَهْلِهَا وَمُهَيَّأَةً لَهُمْ تَكْرِمَةً بِعُجَالَةِ الرَّاكِبِ زَادُهُ يَقْنَعُ بِهِ فِي سَفَرِهِ. قُلْت : آخِر كَلَامه يُقَرِّرُ مَا قَالَ الْقَاضِي أَنَّ كَوْن أَرْض الدُّنْيَا تَصِير نَارًا مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ كَوْنَهَا تَصِير خُبْزَةً يَأْكُل مِنْهَا أَهْل الْمَوْقِف مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالْآثَار الَّتِي أَوْرَدْتهَا عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْرِهِ تَرُدُّ عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ وَقُدْرَةُ اللَّه تَعَالَى صَالِحَةٌ لِذَلِكَ بَلْ اِعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَبْلَغُ وَكَوْن أَهْلِ الدُّنْيَا وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَاقَبُونَ بِالْجُوعِ فِي طُول زَمَان الْمَوْقِفِ بَلْ يَقْلِبُ اللَّه لَهُمْ بِقُدْرَتِهِ طَبْعَ الْأَرْضِ حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْهَا مِنْ تَحْت أَقْدَامِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ بِغَيْرِ عِلَاجٍ وَلَا كُلْفَةٍ وَيَكُون مَعْنَى قَوْله " نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ " أَيْ الَّذِينَ يَصِيرُونَ إِلَى الْجَنَّة أَعَمَّ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ يَقَعُ بَعْدَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا أَوْ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ ( فَأَتَى رَجُلٌ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " فَأَتَاهُ ". قَوْله ( مِنْ الْيَهُودِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اِسْمِهِ. قَوْله ( فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ ) يُرِيدُ أَنَّهُ أَعْجَبَهُ إِخْبَارُ الْيَهُودِيِّ عَنْ كِتَابِهِمْ بِنَظِيرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ وَكَانَ يُعْجِبُهُ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِمُوَافَقَتِهِمْ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَوْله ( حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) بِالنُّونِ وَالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ نَاجِذٍ وَهُوَ آخِر الْأَضْرَاسِ وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ. وَتُطْلَقُ النَّوَاجِذُ أَيْضًا عَلَى الْأَنْيَابِ وَالْأَضْرَاسِ. قَوْله ( ثُمَّ قَالَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " فَقَالَ ". قَوْلُهُ ( أَلَا أُخْبِرُك ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " أَلَا أُخْبِرُكُمْ ". قَوْلُهُ ( بِإِدَامِهِمْ ) أَيْ مَا يُؤْكَلُ بِهِ الْخُبْزُ. قَوْله ( بَالَامٌ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة بِغَيْرِ هَمْزٍ وَقَوْلُهُ ( وَنُونٌ ) أَيْ بِلَفْظِ أَوَّلِ السُّورَةِ. قَوْله ( قَالُوا ) أَيْ الصَّحَابَةُ وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ " فَقَالُوا " قَوْله ( مَا هَذَا ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " وَمَا هَذَا " بِزِيَادَةِ وَاوٍ. قَوْله ( قَالَ ثَوْرٌ وَنُونٌ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَكَذَا رَوَوْهُ لَنَا وَتَأَمَّلْت النُّسَخَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيق حَمَّاد اِبْنِ شَاكِرٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْن مَعْقِلٍ وَالْفَرَبْرِيّ فَإِذَا كُلُّهَا عَلَى نَحْوٍ وَاحِدٍ. قُلْت : وَكَذَا عِنْد مُسْلِم وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَأَمَّا نُونٌ فَهُوَ الْحُوتُ عَلَى مَا فُسِّرَ فِي الْحَدِيث وَأَمَّا بَالَامٌ فَدَلَّ التَّفْسِيرُ مِنْ الْيَهُودِيِّ عَلَى أَنَّهُ اِسْمٌ لِلثَّوْرِ وَهُوَ لَفْظٌ مُبْهَمٌ لَمْ يَنْتَظِمْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُون عَلَى التَّفْرِقَةِ اِسْمًا لِشَيْءٍ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودِيُّ أَرَادَ أَنْ يُعَمِّيَ الِاسْمَ فَقَطَعَ الْهِجَاء وَقَدَّمَ أَحَدَ الْحَرْفَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْهِجَاءِ لَام يَاء هِجَاء لَأَى بِوَزْنِ لَعَى وَهُوَ الثَّوْر الْوَحْشِيّ وَجَمْعُهُ آلَاءٌ بِثَلَاثِ هَمَزَاتٍ وَزْن أَحْبَال فَصَحَّفُوهُ فَقَالُوا بَالَامٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَكَتَبُوهُ بِالْهِجَاءِ فَأَشْكَلَ الْأَمْر. هَذَا أَقْرَبُ مَا يَقَع لِي فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُون إِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلِسَانِهِ وَيَكُون ذَلِكَ بِلِسَانِهِمْ وَأَكْثَر الْعِبْرَانِيَّة فِيمَا يَقُولهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مَقْلُوبٌ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ بِتَقْدِيمٍ فِي الْحُرُوفِ وَتَأْخِيرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَقَالَ عِيَاض : أَوْرَدَ الْحُمَيْدِيُّ فِي اِخْتِصَاره يَعْنِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ بِاللَّأَى بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَأَلِفِ وَصْلٍ وَلَام ثَقِيلَة بَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة خَفِيفَة بِوَزْنِ الرَّحَى وَاللَّأَى الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ قَالَ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا رَوَاهُ كَذَلِكَ فَلَعَلَّهُ مِنْ إِصْلَاحِهِ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا بَقِيَتْ الْمِيمُ زَائِدَةً إِلَّا أَنْ يُدْعَى أَنَّهَا حُرِّفَتْ عَنْ الْيَاء الْمَقْصُورَة قَالَ : وَكُلّ هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ قَالَ : وَأَوْلَى مَا يُقَال فِي هَذَا أَنْ تَبْقَى الْكَلِمَةُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَة وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا عِبْرَانِيَّةٌ وَلِذَلِكَ سَأَلَ الصَّحَابَةُ الْيَهُودِيَّ عَنْ تَفْسِيرِهَا وَلَوْ كَانَ اللَّأَى لَعَرَفُوهَا لِأَنَّهَا مِنْ لِسَانِهِمْ. وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِهَذَا فَقَالَ : هِيَ لَفَظَّةٌ عِبْرَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا ثَوْرٌ. قَوْله ( يَأْكُل مِنْ زَائِدَة كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا ) قَالَ عِيَاضٌ زِيَادَةُ الْكَبِدِ وَزَائِدَتُهَا هِيَ الْقِطْعَةُ الْمُنْفَرِدَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَا وَهِيَ أَطْيَبُهُ وَلِهَذَا خُصَّ بِأَكْلِهَا السَّبْعُونَ أَلْفًا وَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فُضِّلُوا بِأَطْيَبِ النُّزُلِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَبَّرَ بِالسَّبْعِينَ عَنْ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَلَمْ يُرِدْ الْحَصْرَ فِيهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَاب الْهِجْرَة قُبَيْل الْمَغَازِي فِي مَسَائِل عَبْد اللَّه بْن سَلَام أَنَّ أَوَّل طَعَامٍ يَأْكُلهُ أَهْل الْجَنَّة لَهُ زِيَادَة كَبِد الْحُوت وَأَنَّ عِنْد مُسْلِم فِي حَدِيث ثَوْبَانَ " تُحْفَةُ أَهْل الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِد النُّونِ " وَفِيهِ " غِذَاؤُهُمْ عَلَى أَثَرهَا أَنْ يُنْحَرَ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا " وَفِيهِ " وَشَرَابُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ تُسَمَّى سَلْسَبِيلَا " وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُبَارَك فِي " الزُّهْد " بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار : أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول لِأَهْلِ الْجَنَّة إِذَا دَخَلُوهَا : إِنَّ لِكُلِّ ضَيْفٍ جَزُورًا وَإِنِّي أَجْزُرُكُمْ الْيَوْم حُوتًا وَثَوْرًا فَيُجْزَرُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ".
