💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( مِنْ الْكَسَل وَالْهَرَم ) تَقَدَّمَا فِي الْبَاب الَّذِي قَبْله. قَوْله ( وَالْمَأْثَم وَالْمَغْرَم ) وَالْمُرَاد الْإِثْم وَالْغَرَامَة , وَهِيَ مَا يَلْزَم الشَّخْص أَدَاؤُهُ كَالدَّيْنِ. زَادَ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة كَمَا مَضَى فِي " بَاب الدُّعَاء قَبْل السَّلَام " فَقَالَ لَهُ قَائِل " مَا أَكْثَر مَا تَسْتَعِيذ مِنْ الْمَأْثَم وَالْمَغْرَم " هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان بْن سُلَيْمٍ الْحِمْصِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا وَفِيهِ " فَقَالَ لَهُ يَا رَسُول اللَّه إِنَّك تُكْثِر التَّعَوُّذ " الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه هُنَاكَ وَقُلْت إِنِّي لَمْ أَقِف حِينَئِذٍ عَلَى تَسْمِيَة الْقَائِل , ثُمَّ وَجَدْت تَفْسِير الْمُبْهَم فِي الِاسْتِعَاذَة لِلنَّسَائِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق سَلَمَة بْن سَعِيد بْن عَطِيَّة عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيث مُخْتَصَرًا وَلَفْظه " كَانَ يَتَعَوَّذ مِنْ الْمَغْرَم وَالْمَأْثَم " قُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَا أَكْثَر مَا تَتَعَوَّذ مِنْ الْمَغْرَم , قَالَ : " إِنَّهُ مَنْ غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ " فَعُرِفَ أَنَّ السَّائِل لَهُ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَة رَاوِيَة الْحَدِيث. قَوْله ( وَمِنْ فِتْنَة الْقَبْر ) هِيَ سُؤَال الْمَلَكَيْنِ , وَعَذَاب الْقَبْر تَقَدَّمَ شَرْحه. قَوْله ( وَمِنْ فِتْنَة النَّار ) هِيَ سُؤَال الْخَزَنَة عَلَى سَبِيل التَّوْبِيخ , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خَزَنَتهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير ) وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي " بَاب الِاسْتِعَاذَة مِنْ أَرْذَل الْعُمُر " بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب. قَوْله ( وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْغِنَى وَأَعُوذ بِك مِنْ فِتْنَة الْفَقْر ) تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي " بَاب الدُّعَاء قَبْل السَّلَام قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : صَرَّحَ فِي فِتْنَة الْغِنَى بِذِكْرِ الشَّرّ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَضَرَّته أَكْثَر مِنْ مَضَرَّة غَيْره , أَوْ تَغْلِيظًا عَلَى أَصْحَابه حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا فَيَغْفُلُوا عَنْ مَفَاسِده , أَوْ إِيمَاء إِلَى أَنَّ صُورَته لَا يَكُون فِيهَا خَيْر , بِخِلَافِ صُورَة الْفَقْر فَإِنَّهَا قَدْ تَكُون خَيْرًا اِنْتَهَى. وَكُلّ هَذَا غَفْلَة عَنْ الْوَاقِع , فَإِنَّ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ لَفْظ " شَرّ " فِي الْأَصْل ثَابِتَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَإِنَّمَا اِخْتَصَرَهَا بَعْض الرُّوَاة , فَسَيَأْتِي بَعْد قَلِيل فِي " بَاب الِاسْتِعَاذَة مِنْ أَرْذَل الْعُمُر " مِنْ طَرِيق وَكِيع وَأَبِي مُعَاوِيَة مُفَرَّقًا عَنْ هِشَام بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ " شَرّ فِتْنَة الْغِنَى وَشَرّ فِتْنَة الْفَقْر " وَيَأْتِي بَعْد أَبْوَاب أَيْضًا مِنْ رِوَايَة سَلَّام بْن أَبِي مُطِيع عَنْ هِشَام بِإِسْقَاطِ " شَرّ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَالتَّقْيِيد فِي الْغِنَى وَالْفَقْر بِالشَّرِّ لَا بُدّ مِنْهُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ خَيْر بِاعْتِبَارٍ , فَالتَّقْيِيد فِي الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ بِالشَّرِّ يُخْرِج مَا فِيهِ مِنْ الْخَيْر سَوَاء قَلَّ أَمْ كَثُرَ , قَالَ الْغَزَالِيّ : فِتْنَة الْغِنَى الْحِرْص عَلَى جَمْع الْمَال وَحُبّه حَتَّى يَكْسِبهُ مِنْ غَيْر حِلّه وَيَمَنْعه مِنْ وَاجِبَات إِنْفَاقه وَحُقُوقه , وَفِتْنَة الْفَقْر يُرَاد بِهِ الْفَقْر الْمُدْقِع الَّذِي لَا يَصْحَبهُ خَيْر وَلَا وَرَع حَتَّى يَتَوَرَّط صَاحِبه بِسَبَبِهِ فِيمَا لَا يَلِيق بِأَهْلِ الدِّين وَالْمُرُوءَة , وَلَا يُبَالِي بِسَبَبِ فَاقَته عَلَى أَيّ حَرَام وَثَبَ , وَلَا فِي أَيّ حَالَة تَوَرَّطَ. وَقِيلَ الْمُرَاد بِهِ فَقْر النَّفْس الَّذِي لَا يَرُدّهُ مِلْك الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا , وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى تَفْضِيل الْفَقْر عَلَى الْغِنَى وَلَا عَكْسه. قَوْله ( وَأَعُوذ بِك مِنْ فِتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال ) فِي رِوَايَة وَكِيع " وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي " بَاب الدُّعَاء قَبْل السَّلَام ". قَوْله ( اللَّهُمَّ اِغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْج وَالْبَرَد إِلَخْ ) تَقَدَّمَ شَرْحه فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي أَوَائِل صِفَة الصَّلَاة , وَحِكْمَة الْعُدُول عَنْ الْمَاء الْحَارّ إِلَى الثَّلْج وَالْبَرَد مَعَ أَنَّ الْحَارّ فِي الْعَادَة أَبْلَغ فِي إِزَالَة الْوَسَخ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الثَّلْج وَالْبَرَد مَاءَانِ طَاهِرَانِ لَمْ تَمَسّهُمَا الْأَيْدِي وَلَمْ يَمْتَهِنهُمَا الِاسْتِعْمَال , فَكَانَ ذِكْرهمَا آكَد فِي هَذَا الْمَقَام , أَشَارَ إِلَى هَذَا الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَلَهُ تَوْجِيه آخَر وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ النَّار لِكَوْنِهَا تُؤَدِّي إِلَيْهَا فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاء حَرَارَتهَا بِالْغَسْلِ تَأْكِيدًا فِي إِطْفَائِهَا , وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَات تَرَقِّيًا عَنْ الْمَاء إِلَى أَبْرَد مِنْهُ وَهُوَ الثَّلْج ثُمَّ إِلَى أَبْرَد مِنْهُ وَهُوَ الْبَرَد بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ يَجْمُد وَيَصِير جَلِيدًا , بِخِلَافِ الثَّلْج فَإِنَّهُ يَذُوب. وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَة كَمَا أَشَرْت إِلَيْهِ , وَقَيَّدَهُ بِالصَّلَاةِ وَلَفْظه " كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاة " وَذَكَرْت هُنَاكَ تَوْجِيه إِدْخَاله فِي الدُّعَاء قَبْل السَّلَام , وَلَمْ يَقَع فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد الْمُصَنِّف ذِكْر الْمَأْثَم وَالْمَغْرَم , وَوَقَعَ ذَلِكَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَلَمْ يَقَع عِنْدهمَا مَعًا فِيهِ قَوْله " اللَّهُمَّ اِغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ إِلَخْ " وَهُوَ حَدِيث وَاحِد ذَكَرَ فِيهِ كُلّ مِنْ هِشَام بْن عُرْوَة وَالزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة مَا لَمْ يَذْكُرهُ الْآخَر.وَاَللَّه أَعْلَم.