💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) هُوَ اِبْن أَبِي أَوَيس. قَوْله : ( عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن ) فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ " حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن " أَخْرَجَهُ أَحْمَد , وَفِي رِوَايَة يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم رِوَايَتَيْ مَعْمَر وَيُونُس , لَكِنْ أَحَالَ بِهِمَا عَلَى رِوَايَة مَالِك. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق النُّعْمَان بْن رَاشِد عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : " عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد " بَدَل حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَحُمَيْدٌ هُوَ الْمَحْفُوظ. قَوْله : ( عَام حَجَّ ) تَقَدَّمَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ مُعَاوِيَة تَعْيِين الْعَام الْمَذْكُور. قَوْله : ( وَتَنَاوَلَ قُصَّة مِنْ شَعْر كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِيّ ) الْقُصَّة بِضَمِّ الْقَاف وَتَشْدِيد الْمُهْمَلَة الْخُصْلَة مِنْ الشَّعْر , وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب " كُبَّة " وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب " أَنَّ مُعَاوِيَة قَالَ : إِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ زِيّ سُوء ; وَجَاءَ رَجُل بِعَصًا عَلَى رَأْسهَا خِرْقَة " وَالْحَرَسِيّ بِفَتْحِ الْحَاء وَالرَّاء وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَات نِسْبَة إِلَى الْحَرَس وَهُمْ خَدَم الْأَمِير الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ , وَيُقَال لِلْوَاحِدِ حَرَسِيّ لِأَنَّهُ اِسْم جِنْس , وَعِنْد الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق عُرْوَة عَنْ مُعَاوِيَة مِنْ الزِّيَادَة " قَالَ : وَجَدْت هَذِهِ عِنْد أَهْلِي وَزَعَمُوا أَنَّ النِّسَاء يَزِدْنَهُ فِي شُعُورهنَّ " وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْرَف ذَلِكَ فِي النِّسَاء قَبْل ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب " مَا كُنْت أَرَى يَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا الْيَهُود ". قَوْله : ( أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ) ؟ تَقَدَّمَ فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى قِلَّة الْعُلَمَاء يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ , وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ إِحْضَارهمْ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ إِنْكَار ذَلِكَ أَوْ لِيُنْكِر عَلَيْهِمْ سُكُوتهمْ عَنْ إِنْكَارهمْ هَذَا الْفِعْل قَبْل ذَلِكَ. قَوْله : ( إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيل ) فِي رِوَايَة مَعْمَر عِنْد مُسْلِم إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيل , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب الْمَذْكُورَة " أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ فَسَمَّاهُ الزُّور " وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عَنْ سَعِيد عِنْد مُسْلِم " نَهَى عَنْ الزُّور " وَفِي آخِره " أَلَا وَهَذَا الزُّور " قَالَ قَتَادَة : يَعْنِي مَا تُكْثِر بِهِ النِّسَاء أَشْعَارهنَّ مِنْ الْخَرْق. وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْع وَصْل الشَّعْر بِشَيْءٍ آخَر سَوَاء كَانَ شَعْرًا أَمْ لَا , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جَابِر " زَجْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَصِل الْمَرْأَة بِشَعْرِهَا شَيْئًا " أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَذَهَبَ اللَّيْث وَنَقَلَهُ أَبُو عُبَيْدَة عَنْ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء أَنَّ الْمُمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ وَصْل الشَّعْر بِالشَّعْرِ , وَأَمَّا إِذَا وَصَلَتْ شَعْرهَا بِغَيْرِ الشَّعْر مِنْ خِرْقَة وَغَيْرهَا فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : لَا بَأْس بِالْقَرَامِل ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَالْقَرَامِل جَمْع قَرْمَل بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء نَبَات طَوِيل الْفُرُوع لَيِّن , وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا خُيُوط مِنْ حَرِير أَوْ صُوف يُعْمَل ضَفَائِر تَصِل بِهِ الْمَرْأَة شَعْرهَا , وَفَصَلَ بَعْضهمْ بَيْن مَا إِذَا كَانَ مَا وَصَلَ بِهِ الشَّعْر مِنْ غَيْر الشَّعْر مَسْتُورًا بَعْد عَقْده مَعَ الشَّعْر بِحَيْثُ يُظَنّ أَنَّهُ مِنْ الشَّعْر , وَبَيْن مَا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا , فَمَنَعَ قَوْم الْأَوَّل فَقَطْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيس وَهُوَ قَوِيّ , وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الْوَصْل مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ بِشَعْرٍ آخَر أَوْ بِغَيْرِ شَعْر إِذَا كَانَ بِعِلْمِ الزَّوْج وَبِإِذْنِهِ , وَأَحَادِيث الْبَاب حُجَّة عَلَيْهِ. وَيُسْتَفَاد مِنْ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة قَتَادَة مَنْع تَكْثِير شَعْر الرَّأْس بِالْخِرَقِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَة مَثَلًا قَدْ تُمَزِّق شَعْرهَا فَتَضَع عِوَضه خِرَقًا تُوهِم أَنَّهَا شَعْر. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم عَقِب حَدِيث مُعَاوِيَة هَذَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ " وَنِسَاء كَاسِيَات عَارِيَات رُءُوسهنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت , قَالَ النَّوَوِيّ يَعْنِي يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ عِمَامَة أَوْ عِصَابه أَوْ نَحْوهَا , قَالَ : وَفِي الْحَدِيث ذَمّ ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْبُخْت بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة ثُمَّ مُثَنَّاة جَمْع بُخْتِيَّة وَهِيَ ضَرْب مِنْ الْإِبِل عِظَام الْأَسْنِمَة وَالْأَسْنِمَة بِالنُّونِ جَمْع سَنَام وَهُوَ أَعْلَى مَا فِي ظَهْر الْجَمَل شِبْه رُءُوسهنَّ بِهَا لِمَا رَفَعْنَ مِنْ ضَفَائِر شُعُورهنَّ عَلَى أَوْسَاط رُءُوسهنَّ تَزْيِينًا وَتَصَنُّعًا , وَقَدْ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ بِمَا يُكْثِرْنَ بِهِ شُعُورهنَّ. ( تَنْبِيه ) : كَمَا يَحْرُم عَلَى الْمَرْأَة الزِّيَادَة فِي شَعْر رَأْسهَا يَحْرُم عَلَيْهَا حَلْق شَعْر رَأْسهَا بِغَيْرِ ضَرُورَة , وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أُمّ عُثْمَان بِنْت سُفْيَان عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحْلِق الْمَرْأَة رَأْسهَا " وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِ " لَيْسَ عَلَى النِّسَاء حَلْق , إِنَّمَا عَلَى النِّسَاء التَّقْصِير " وَاَللَّه أَعْلَم. حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة. قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن أَبِي شَيْبَة ) هُوَ أَبُو بَكْر كَذَا أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَده وَمُصَنَّفه بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " مِنْ طَرِيقه , وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد كَذَلِكَ , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هُوَ الْمُرَاد لِأَنَّ أَبَا بَكْر وَعُثْمَان كِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخ الْبُخَارِيّ , وَيُونُس هُوَ الْمُؤَدِّب , وَفُلَيْح هُوَ اِبْن سُلَيْمَان. قَوْله : ( لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَة ) أَيْ الَّتِي تَصِل الشَّعْر سَوَاء كَانَ لِنَفْسِهَا أَمْ لِغَيْرِهَا ( وَالْمُسْتَوْصِلَة ) أَيْ الَّتِي تَطْلُب فِعْل ذَلِكَ وَيُفْعَل بِهَا , وَكَذَا الْقَوْل فِي الْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة , وَتَقَدَّمَ تَفْسِيره. وَهَذَا صَرِيح فِي حِكَايَة ذَلِكَ عَنْ اللَّه تَعَالَى إِنْ كَانَ خَبَرًا فَيُسْتَغْنَى عَنْ اِسْتِنْبَاط اِبْن مَسْعُود , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون دُعَاء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ.