💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَلِيّ ) لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات , وَلَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ , لَكِنْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج بِأَنَّهُ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه اِبْن الْمَدِينِيّ , وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمِزِّيّ فِي " الْأَطْرَاف " وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ عَلِيّ بْن سَلَمَة اللَّبِقِي وَمَا عَرَفْت سَلَفه فِيهِ. قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَرْوَان ) هُوَ اِبْن مُعَاوِيَة الْفَزَارِيُّ , جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن أَبِي عُمَر عَنْ مَرْوَان الْفَزَارِيِّ. قَوْله : ( هَاشِم ) هُوَ اِبْن هَاشِم بْن عُتْبَةَ بْن أَبِي وَقَّاص وَعَامِر بْن سَعْد هُوَ اِبْن عَمّ أَبِيهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فِي الطَّرِيق الثَّانِيَة فِي الْبَاب " سَمِعْت عَامِرًا سَمِعْت سَعْدًا " وَيَأْتِي بَعْد قَلِيل مِنْ وَجْه آخَر " سَمِعْت عَامِر بْن سَعْد سَمِعْت أَبِي " وَهُوَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص. قَوْله ( مَنْ اِصْطَبَحَ ) فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة " مَنْ تَصَبَّحَ " وَكَذَا فِي رِوَايَة جُمْعَة عَنْ مَرْوَان الْمَاضِيَة فِي الْأَطْعِمَة , وَكَذَا لِمُسْلِمٍ عَنْ اِبْن عُمَر وَكِلَاهُمَا بِمَعْنَى التَّنَاوُل صَبَاحًا , وَأَصْل الصَّبُوح وَالِاصْطِبَاح تَنَاوُل الشَّرَاب صُبْحًا , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْأَكْل , وَمُقَابِله الْغَبُوق وَالِاغْتِبَاق بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ; وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي مُطْلَق الْغِذَاء أَعَمّ مِنْ الشُّرْب وَالْأَكْل , وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : صَبَّحْنَا الْخَزْرَجِيَّة مُرْهَفَات وَتَصَبَّحَ مُطَاوِع صَبَّحْته بِكَذَا إِذَا أَتَيْته بِهِ صَبَاحًا , فَكَأَنَّ الَّذِي يَتَنَاوَل الْعَجْوَة صَبَاحًا قَدْ أَتَى بِهَا , وَهُوَ مِثْل تَغَدَّى وَتَعَشَّى إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي وَقْت الْغَدَاء أَوْ الْعِشَاء. قَوْله : ( كُلّ يَوْم تَمَرَات عَجْوَة ) كَذَا أُطْلِقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَوَقَعَ مُقَيَّدًا فِي غَيْرهَا , فَفِي رِوَايَة جُمْعَة وَابْن أَبِي عُمَر سَبْع تَمَرَات , وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة دُحَيْم عَنْ مَرْوَان , وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فِي الْبَاب , وَوَقَعَ مُقَيَّدًا بِالْعَجْوَةِ فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة أَنَس بْن عِيَاض عَنْ هَاشِم بْن هَاشِم عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة , وَزَادَ أَبُو ضَمْرَة فِي رِوَايَته التَّقْيِيد بِالْمَكَانِ أَيْضًا وَلَفْظه " مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَات عَجْوَة مِنْ تَمْر الْعَالِيَة " وَالْعَالِيَة الْقُرَى الَّتِي فِي الْجِهَة الْعَالِيَة مِنْ الْمَدِينَة وَهِيَ جِهَة نَجْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا ذِكْر فِي الْمَوَاقِيت مِنْ كِتَاب الصَّلَاة , وَفِيهِ بَيَان مِقْدَار مَا بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة. وَلِلزِّيَادَةِ شَاهِد عِنْد مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ " فِي عَجْوَة الْعَالِيَة شِفَاء فِي أَوَّل الْبُكْرَة " وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أَبِي طُوَالَة عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيّ عَنْ عَامِر بْن سَعْد بِلَفْظِ " مَنْ أَكَلَ سَبْع تَمَرَات مِمَّا بَيْن لَابَّتَيْهَا حِين يُصْبِح " وَأَرَادَ لَابَّتَيْ الْمَدِينَة وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر لِلْعِلْمِ بِهَا. قَوْله : ( لَمْ يَضُرّهُ سُمّ وَلَا سِحْر ذَلِكَ الْيَوْم إِلَى اللَّيْل ) السُّمّ مَعْرُوف وَهُوَ مُثَلَّث السِّين , وَالسِّحْر تَقَدَّمَ تَحْرِير الْقَوْل فِيهِ قَرِيبًا ; وَقَوْله : " ذَلِكَ الْيَوْم " ظَرْف وَهُوَ مَعْمُول لِيَضُرّهُ , أَوْ صِفَة لِسِحْر. وَقَوْله : " إِلَى اللَّيْل " فِيهِ تَقْيِيد الشِّفَاء الْمُطْلَق فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة حَيْثُ قَالَ " شِفَاء أَوَّل الْبُكْرَة فِي أَوْ تِرْيَاق " وَتَرَدُّده فِي تِرْيَاق شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَالْبُكْرَة بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْكَاف يُوَافِق ذِكْر الصَّبَاح فِي حَدِيث سَعْد , وَالشِّفَاء أَشْمَل مِنْ التِّرْيَاق يُنَاسِب ذِكْر السُّمّ , وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيث سَعْد شَيْئَانِ السِّحْر وَالسُّمّ , فَمَعَهُ زِيَادَة عِلْم. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ " الْعَجْوَة مِنْ الْجَنَّة , وَهِيَ شِفَاء مِنْ السُّمّ " وَهَذَا يُوَافِق رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَة. وَالتِّرْيَاق بِكَسْرِ الْمُثَنَّاة وَقَدْ تُضَمّ وَقَدْ تُبْدَل الْمُثَنَّاة دَالًا أَوْ طَاء بِالْإِهْمَالِ فِيهِمَا , وَهُوَ دَوَاء مُرَكَّب مَعْرُوف يُعَالَج بِهِ الْمَسْمُوم , فَأُطْلِقَ عَلَى الْعَجْوَة اِسْم التِّرْيَاق تَشْبِيهًا لَهَا بِهِ , وَأَمَّا الْغَايَة فِي قَوْله : " إِلَى اللَّيْل " فَمَفْهُومه أَنَّ السِّرّ الَّذِي فِي الْعَجْوَة مِنْ دَفْع ضَرَر السِّحْر وَالسُّمّ يَرْتَفِع إِذَا دَخَلَ اللَّيْل فِي حَقّ مَنْ تَنَاوَلَهُ مِنْ أَوَّل النَّهَار , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ إِطْلَاق الْيَوْم عَلَى مَا بَيْن طُلُوع الْفَجْر أَوْ الشَّمْس إِلَى غُرُوب الشَّمْس , وَلَا يَسْتَلْزِم دُخُول اللَّيْل , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى حُكْم مَنْ تَنَاوَلَ ذَلِكَ فِي أَوَّل اللَّيْل هَلْ يَكُون كَمَنْ تَنَاوَلَهُ أَوَّل النَّهَار حَتَّى يَنْدَفِع عَنْهُ ضَرَر السُّمّ وَالسِّحْر إِلَى الصَّبَاح , وَاَلَّذِي يَظْهَر خُصُوصِيَّة ذَلِكَ بِالتَّنَاوُلِ أَوَّل النَّهَار لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُون الْغَالِب أَنَّ تَنَاوُله يَقَع عَلَى الرِّيق , فَيُحْتَمَل أَنْ يَلْحَق بِهِ مَنْ تَنَاوَلَ اللَّيْل عَلَى الرِّيق كَالصَّائِمِ , وَظَاهِر الْإِطْلَاق أَيْضًا الْمُوَاظَبَة عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ مُقَيَّدًا فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا " كَانَتْ تَأْمُر بِسَبْعِ تَمَرَات عَجْوَة فِي سَبْع غَدَوَات " وَأَخْرَجَهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الطُّفَاوِيّ عَنْ هِشَام مَرْفُوعًا , وَذَكَرَ اِبْن عَدِيّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ , وَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَفَرُّده بِرَفْعِهِ , وَهُوَ مِنْ رِجَال الْبُخَارِيّ لَكِنْ فِي الْمُتَابَعَات. قَوْله : ( وَقَالَ غَيْره سَبْع تَمَرَات ) وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ " يَعْنِي غَيْر حَدِيث عَلِيّ " اِنْتَهَى , وَالْغَيْر كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جُمْعَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَة عَنْهُ أَوْ غَيْره مِمَّنْ نَبَّهْت عَلَيْهِ مِمَّنْ رَوَاهُ كَذَلِكَ.