💡 شرح فتح الباري
ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة سِحْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه مُسْتَوْفًى قَرِيبًا. وَقَوْله فِيهِ " قَالَ سُفْيَان : وَهَذَا أَشَدّ مَا يَكُون مِنْ السِّحْر " سُفْيَان هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَهُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور. وَلَمْ أَقِف عَلَى كَلَام سُفْيَان هَذَا فِي مُسْنَد الْحُمَيْدِيّ وَلَا أَنَّ أَبِي عُمَر وَلَا غَيْرهمَا وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فِي جُفّ طَلْعَة ذَكَر تَحْت رَعُوفَة ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " رَاعُوفَة " بِزِيَادَةِ أَلِف بَعْد الرَّاء وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَكْثَر الرُّوَاة , عَكَسَ اِبْن التِّين وَزَعَمَ أَنَّ رَاعُوفَة لِلْأَصِيلِيّ فَقَطْ وَهُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة , وَفِي لُغَة أُخْرَى " أُرْعُوفَة " وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي مُرْسَل عُمَر بْن الْحَكَم , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عِنْد أَحْمَد " تَحْت رَعُوثَة " بِمُثَلَّثَةٍ بَدَل الْفَاء وَهِيَ لُغَة أُخْرَى مَعْرُوفَة , وَوَقَعَ فِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير أَنَّ فِي رِوَايَة أُخْرَى " زَعُوبَة " بِزَايٍ وَمُوَحَّدَة وَقَالَ هِيَ بِمَعْنَى رَاعُوفَة ا ه. وَالرَّاعُوفَة حَجَر يُوضَع عَلَى رَأْس الْبِئْر لَا يُسْتَطَاع قَلْعه يَقُوم عَلَيْهِ الْمُسْتَقِي. وَقَدْ يَكُون فِي أَسْفَل الْبِئْر , قَالَ أَبُو عُبَيْد : هِيَ صَخْرَة تُنْزَل فِي أَسْفَل الْبِئْر إِذَا حُفِرَتْ يَجْلِس عَلَيْهَا الَّذِي يُنَظِّف الْبِئْر , وَهُوَ حَجَر يُوجَد صُلْبًا لَا يُسْتَطَاع نَزْعه فَيُتْرَك , وَاخْتُلِفَ فِي اِشْتِقَاقهَا فَقِيلَ : لِتَقَدُّمِهَا وَبُرُوزهَا يُقَال جَاءَ فُلَان يُرْعِف الْخَيْل أَيْ يَتَقَدَّمهَا ; وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيّ فِي تَهْذِيبه عَنْ شَمِر قَالَ : رَاعُوفَة الْبِئْر النَّظَافَة , هِيَ مِثْل عَيْن عَلَى قَدْر حَجَر الْعَقْرَب فِي أَعْلَى الرَّكِيَّة فَيُجَاوِز فِي الْحَفْر خَمْس قِيَم وَأَكْثَر فَرُبَّمَا وَجَدُوا مَاء كَثِيرًا , قَالَ شَمِر : فَمَنْ ذَهَبَ بِالرَّاعُوفَةِ إِلَى النَّظَافَة فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ رُعَاف الْأَنْف , وَمَنْ ذَهَبَ بِالرَّاعُوفَةِ إِلَى الْحَجَر الَّذِي يَتَقَدَّم طَيّ الْبِئْر فَهُوَ مِنْ رَعَفَ الرَّجُل إِذَا سَبَقَ. قُلْت : وَتَنْزِيل الرَّاعُوفَة عَلَى الْأَخِير وَاضِح بِخِلَافِ الْأَوَّل , وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِئْر حَتَّى اِسْتَخْرَجَهُ إِلَى أَنْ قَالَ فَاسْتَخْرَجَ ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ , وَفِي رِوَايَة عِيسَى بْن يُونُس " قُلْت ; يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا اِسْتَخْرَجْته " وَفِي رِوَايَة وُهَيْب " قُلْت : يَا رَسُول اللَّه فَأَخْرِجْهُ لِلنَّاسِ " وَفِي رِوَايَة اِبْن نُمَيْر " أَفَلَا أَخْرَجْته ؟ قَالَ : لَا " وَكَذَا فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة الَّتِي بَعْد هَذَا الْبَاب , قَالَ اِبْن بَطَّال : ذَكَرَ الْمُهَلَّب أَنَّ الرُّوَاة اِخْتَلَفُوا عَلَى هِشَام فِي إِخْرَاج السِّحْر الْمَذْكُور , فَانْتَبَهَ سُفْيَان وَجَعَلَ سُؤَال عَائِشَة عَنْ النُّشْرَة , وَنَفَاهُ عِيسَى بْن يُونُس وَجَعَلَ سُؤَالهَا عَنْ الِاسْتِخْرَاج , وَلَمْ يَذْكُر الْجَوَاب , وَصَرَّحَ بِهِ أُسَامَة , قَالَ وَالنَّظَر يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة سُفْيَان لِتَقَدُّمِهِ فِي الضَّبْط , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ النُّشْرَة لَمْ يَقَع فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَالزِّيَادَة مِنْ سُفْيَان مَقْبُولَة لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُمْ , وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ كَرَّرَ اِسْتِخْرَاج السِّحْر فِي رِوَايَته مَرَّتَيْنِ فَيَبْعُد مِنْ الْوَهْم , وَزَادَ ذِكْر النُّشْرَة وَجَعَلَ جَوَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا بِلَا بَدَلًا عَنْ الِاسْتِخْرَاج , قَالَ : وَيُحْتَمَل وَجْهًا آخَر فَذَكَرَ مَا مُحَصِّله : أَنَّ الِاسْتِخْرَاج الْمَنْفِيّ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة غَيْر الِاسْتِخْرَاج الْمُثْبَت فِي رِوَايَة سُفْيَان , فَالْمُثْبَت هُوَ اِسْتِخْرَاج الْجُفّ وَالْمَنْفِيّ اِسْتِخْرَاج مَا حَوَاهُ , قَالَ : وَكَأَنَّ السِّرّ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَرَاهُ النَّاس فَيَتَعَلَّمهُ مَنْ أَرَادَ اِسْتِعْمَال السِّحْر. قُلْت : وَقَعَ فِي رِوَايَة عَمْرَة " فَاسْتَخْرَجَ جُفّ طَلْعَة مِنْ تَحْت رَاعُوفَة " وَفِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم " فَأَخْرَجُوهُ فَرَمَوْا بِهِ " وَفِي مُرْسَل عُمَر بْن الْحَكَم أَنَّ الَّذِي اِسْتَخْرَجَ السِّحْر قَيْس بْن مُحَصِّن , كُلّ هَذَا لَا يُخَالِف الْحَمْل الْمَذْكُور , لَكِنْ فِي آخِر رِوَايَة عَمْرَة وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَنَّهُمْ وَجَدُوا وِتْرًا فِيهِ عُقَد , وَأَنَّهَا اِنْحَلَّتْ عِنْد قِرَاءَة الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَفِيهِ إِشْعَار بِاسْتِكْشَافِ مَا كَانَ دَاخِل الْجُفّ , فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَقُدِحَ فِي الْجَمْع الْمَذْكُور , لَكِنْ لَا يَخْلُو إِسْنَاد كُلّ مِنْهُمَا مِنْ الضَّعْف. ( تَنْبِيه ) : وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة مُخَالَفَة فِي لَفْظَة أُخْرَى : فَرِوَايَة الْبُخَارِيّ عَنْ عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل عَنْهُ " أَفَلَا أَخْرَجْته " وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي أُسَامَة , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ أَبِي أُسَامَة " أَفَلَا أَحْرَقْته " بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَقَاف , وَقَالَ النَّوَوِيّ : كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيح , كَأَنَّهَا طَلَبَتْ أَنَّهُ يُخْرِجهُ ثُمَّ يُحَرِّقهُ. قُلْت : لَكِنْ لَمْ يَقَعَا مَعًا فِي رِوَايَة وَاحِدَة , وَإِنَّمَا وَقَعَتْ اللَّفْظَة مَكَان اللَّفْظَة , وَانْفَرَدَ أَبُو كُرَيْب بِالرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف , فَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِد أَنَّ رِوَايَته شَاذَّة. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيّ فَجَعَلَ الضَّمِير فِي أَحْرَقْته لِلَبِيد بْن أَعْصَم , قَالَ : وَاسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَة عَنْ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُ عَلَى مَا صَنَعَ مِنْ السِّحْر , فَأَجَابَهَا بِالِامْتِنَاعِ , وَنَبَّهَ عَلَى سَبَبه وَهُوَ خَوْف وُقُوع شَرّ بَيْنهمْ وَبَيْن الْيَهُود لِأَجْلِ الْعَهْد , فَلَوْ قَتَلَهُ لَثَارَتْ فِتْنَة. كَذَا قَالَ. وَلَا أَدْرِي مَا وَجْه تَعَيُّن قَتْله بِالْإِحْرَاقِ , وَإِنْ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ الرِّوَايَة ثَابِتَة وَأَنَّ الضَّمِير لَهُ. قَوْله : ( قَالَتْ فَقُلْت أَفَلَا ؟ أَيْ تَنَشَّرْت ) وَقَعَ فِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ " فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه فَهَلَّا ؟ قَالَ سُفْيَان بِمَعْنَى تَنَشَّرْت. فَبَيَّنَ الَّذِي فَسَّرَ الْمُرَاد بِقَوْلِهَا " أَفَلَا " كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِر اللَّفْظَة فَذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى , وَظَاهِر هَذِهِ اللَّفْظَة أَنَّهُ مِنْ النُّشْرَة. وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ هِشَام عِنْد أَحْمَد " فَقَالَتْ عَائِشَة : لَوْ أَنَّك " تَعْنِي تُنَشَّر , وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع الْمُصَنِّف حَيْثُ ذَكَرَ النُّشْرَة فِي التَّرْجَمَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ النَّشْر بِمَعْنَى الْإِخْرَاج فَيُوَافِق رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ " فَهَلَّا أَخْرَجَتْهُ " وَلِكَوْنِ لَفْظ هَذِهِ الرِّوَايَة " هَلَّا اِسْتَخْرَجْت " وَحُذِفَ الْمَفْعُول لِلْعِلْمِ بِهِ , وَيَكُون الْمُرَاد بِالْمَخْرَجِ مَا حَوَاهُ الْجُفّ لَا الْجُفّ نَفْسه , فَيَتَأَيَّد الْجَمْع الْمُقَدَّم ذِكْره. ( تَكْمِيل ) : قَالَ اِبْن الْقَيِّم مِنْ أَنْفَع الْأَدْوِيَة وَأَقْوَى مَا يُوجَد مِنْ النُّشْرَة مُقَاوَمَة السِّحْر الَّذِي هُوَ مِنْ تَأْثِيرَات الْأَرْوَاح الْخَبِيثَة بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّة مِنْ الذِّكْر وَالدُّعَاء وَالْقِرَاءَة , فَالْقَلْب إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنْ اللَّه مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ وَلَهُ وِرْد مِنْ الذِّكْر وَالدُّعَاء وَالتَّوَجُّه لَا يُخِلُّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَم الْأَسْبَاب الْمَانِعَة مِنْ إِصَابَة السِّحْر لَهُ. قَالَ : وَسُلْطَان تَأْثِير السِّحْر هُوَ فِي الْقُلُوب الضَّعِيفَة , وَلِهَذَا غَالِب مَا يُؤَثِّر فِي النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَالْجُهَّال , لِأَنَّ الْأَرْوَاح الْخَبِيثَة إِنَّمَا تَنْشَط عَلَى أَرْوَاح تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّة لِمَا يُنَاسِبهَا. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيُعَكِّر عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب , وَجَوَاز السِّحْر عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَظِيم مَقَامه وَصِدْق تَوَجُّهه وَمُلَازَمَة وِرْده , وَلَكِنْ يُمْكِن الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُول عَلَى الْغَالِب , وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ تَجْوِيز ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم.