💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) وَسَاقَهُ بِطُولِهِ , كَذَا قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر مِنْ رِوَايَة اللَّيْث عَنْهُ عَنْ اِبْن شِهَاب , وَفَصَّلَ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب قِصَّة وَلِيّ الْمَرْأَة فَجَعَلَهُ مِنْ رِوَايَة اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مُرْسَلًا كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّف فِي الطَّرِيق الَّتِي تَلِي طَرِيق اِبْن مُسَافِر هَذِهِ , وَقَدْ رَوَى اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب أَصْل الْحَدِيث بِدُونِ الزِّيَادَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْصُولًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الدِّيَات , وَكَذَا أَخْرَجَ هُنَاكَ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي سَلَمَة وَسَعِيد مَعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِأَصْلِ الْحَدِيث دُون الزِّيَادَة , وَيَأْتِي شَرْح مَا يَتَعَلَّق بِالْجَنِينِ وَالْغُرَّة هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله : ( فَقَالَ وَلِيّ الْمَرْأَة ) هُوَ حَمَل بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالْمِيم الْخَفِيفَة اِبْن مَالِك اِبْن النَّابِغَة الْهُذَلِيّ , بَيَّنَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب وَأَبِي سَلَمَة مَعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَكُنْيَة حَمَل الْمَذْكُور أَبُو نَضْلَة , وَهُوَ صَحَابِيّ نَزَلَ الْبَصْرَة. وَفِي رِوَايَة مَالِك " فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ " أَيْ قُضِيَ عَلَى مَنْ هِيَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ , وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَنْ اِبْن شِهَاب الْمَذْكُورَة أَنَّ الْمَرْأَة مِنْ بَنِي لِحْيَان , وَبَنُو لِحْيَان حَيّ مِنْ هُذَيْل , وَجَاءَ تَسْمِيَة الضَّرَّتَيْنِ فِيمَا أَخْرَجَ أَحْمَد مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن تَمِيم بْن عُوَيْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ " كَانَتْ أُخْتِي مُلَيْكَة وَامْرَأَة مِنَّا يُقَال لَهَا أُمّ عَفِيف بِنْت مَسْرُوح تَحْت حَمَل بْن مَالِك اِبْن النَّابِغَة , فَضَرَبَتْ أُمّ عَفِيف مُلَيْكَة بِمِسْطَحٍ " الْحَدِيث , لَكِنْ قَالَ فِيهِ " فَقَالَ الْعَلَاء بْن مَسْرُوح : يَا رَسُول اللَّه , أَنَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ " الْحَدِيث , وَفِي آخِره " أَسْجَع كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّة " وَيُجْمَع بَيْنهمَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْ زَوْج الْمَرْأَة وَهُوَ حَمَل وَأَخِيهَا وَهُوَ الْعَلَاء قَالَ ذَلِكَ تَوَارُدًا مَعًا عَلَيْهِ , لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدهمَا أَنَّ الَّذِي يُودَى هُوَ الَّذِي يَخْرُج حَيًّا , وَأَمَّا السِّقْط فَلَا يُودَى , فَأَبْطَلَ الشَّرْع ذَلِكَ وَجَعَلَ فِيهِ غُرَّة , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي كِتَاب الدِّيَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلطَبَرَانِيِّ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ عِمْرَان بْن عُوَيْم , فَلَعَلَّهَا قِصَّة أُخْرَى. وَأُمّ عَفِيف بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءَيْنِ وَزْن عَظِيم , وَوَقَعَ فِي الْمُبْهَمَات لِلْخَطِيبِ , وَأَصْله عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا أُمّ غُطَيْف بِغَيْنٍ ثُمَّ طَاء مُهْمَلَة مُصَغَّر , فَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( كَيْف أَغْرَم يَا رَسُول اللَّه مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ ) فِي رِوَايَة مَالِك " مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ " وَالْأَوَّل أَوْلَى لِمُنَاسَبَةِ السَّجْع. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي رِوَايَة مَالِك " مَا لَا " بَدَل " مَنْ لَا " وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي " الْمُوَطَّأ ". وَقَالَ أَبُو عُثْمَان بْن جِنِّيّ : مَعْنَى قَوْله لَا أَكَلَ أَيْ لَمْ يَأْكُل , أَقَامَ الْفِعْل الْمَاضِي مَقَام الْمُضَارِع. قَوْله : ( فَمِثْل ذَلِكَ يُطَلّ ) لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة التَّحْتَانِيَّة وَفَتْح الطَّاء الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ يُهْدَر , يُقَال دَم فُلَان هَدَر إِذَا تَرَكَ الطَّلَب بِثَأْرِهِ , وَطُلَّ الدَّم بِضَمِّ الطَّاء وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا , وَحُكِيَ " أَطَلَّ " وَلَمْ يَعْرِفهُ الْأَصْمَعِيّ : وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ فِي رِوَايَة اِبْن مُسَافِر " بَطَل " بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَالتَّخْفِيف مِنْ الْبُطْلَان كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة مِنْ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَزَعَمَ عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا لِلْجَمِيعِ بِالْمُوَحَّدَةِ , قَالَ : وَبِالْوَجْهَيْنِ فِي الْمُوَطَّأ , وَقَدْ رَجَّحَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ مِنْ الْبُطْلَان , وَأَنْكَرَهُ اِبْن بَطَّال فَقَالَ : كَذَا يَقُولهُ أَهْل الْحَدِيث , وَإِنَّمَا هُوَ طَلّ الدَّم إِذَا هُدِرَ. قُلْت : وَلَيْسَ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى بَعْد ثُبُوت الرِّوَايَة , وَهُوَ مُوَجَّه , رَاجِع إِلَى مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى. قَوْله : ( إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَان الْكُهَّان ) أَيْ لِمُشَابَهَةِ كَلَامه كَلَامهمْ , زَادَ مُسْلِم وَالْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ رِوَايَة يُونُس " مِنْ أَجْل سَجْعه الَّذِي سَجَعَ " قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هُوَ مِنْ تَفْسِير الرَّاوِي , وَقَدْ وَرَدَ مُسْتَنَد ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة " فَقَالَ رَجُل مِنْ عُصْبَة الْقَاتِلَة يَغْرَم " فَذَكَرَ نَحْوه وَفِيهِ " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْجَع كَسَجْعِ الْأَعْرَاب " ؟ وَالسَّجْع هُوَ تَنَاسُب آخِر الْكَلِمَات لَفْظًا , وَأَصْله الِاسْتِوَاء , وَفِي الِاصْطِلَاح الْكَلَام الْمُقَفَّى وَالْجَمْع أَسْجَاع وَأَسَاجِيع , قَالَ اِبْن بَطَّال : فِيهِ ذَمّ الْكُفَّار وَذَمّ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ فِي أَلْفَاظهمْ , وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِبهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَأْمُورًا بِالصَّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِينَ , وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ كَرِهَ السَّجْع فِي الْكَلَام , وَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقه , بَلْ الْمَكْرُوه مِنْهُ مَا يَقَع مَعَ التَّكَلُّف فِي مَعْرِض مُدَافَعَة الْحَقّ , وَأَمَّا مَا يَقَع عَفْوًا بِلَا تَكَلُّف فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة فَجَائِز , وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل مَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الدَّعَوَات. وَالْحَاصِل أَنَّهُ إِنْ جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ التَّكَلُّف وَإِبْطَال الْحَقّ كَانَ مَذْمُومًا , وَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى أَحَدهمَا كَانَ أَخَفّ فِي الذَّمّ , وَيَخْرُج مِنْ ذَلِكَ تَقْسِيمه إِلَى أَرْبَعَة أَنْوَاع : فَالْمَحْمُود مَا جَاءَ عَفْوًا فِي حَقّ , وَدُونه مَا يَقَع مُتَكَلَّفًا فِي حَقّ أَيْضًا , وَالْمَذْمُوم عَكْسهمَا. وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد أَيْضًا رَفْع الْجِنَايَة لِلْحَاكِمِ , وَوُجُوب الدِّيَة فِي الْجَنِين وَلَوْ خَرَجَ مَيِّتًا كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي كِتَاب الدِّيَات مَعَ اِسْتِيفَاء فَوَائِده.