💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد ) لِشُعْبَة فِيهِ إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة غُنْدَر عَنْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ حَارِثَة بْن مُضَرِّب قَالَ " دَخَلْت عَلَى خَبَّاب " فَذَكَرَ الْحَدِيث نَحْوه. قَوْله : ( وَقَدْ اِكْتَوَى سَبْع كَيَّات ) فِي رِوَايَة حَارِثَة " وَقَدْ اِكْتَوَى فِي بَطْنه فَقَالَ : مَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ مِنْ الْبَلَاء مَا لَقِيت " أَيْ مِنْ الْوَجَع الَّذِي أَصَابَهُ , وَحَكَى شَيْخنَا فِي " شَرْح التِّرْمِذِيّ " اِحْتِمَال أَنْ يَكُون أَرَادَ بِالْبَلَاءِ مَا فُتِحَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَال بَعْد أَنْ كَانَ لَا يَجِد دِرْهَمًا , كَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة حَارِثَة الْمَذْكُورَة عَنْهُ قَالَ " لَقَدْ كُنْت وَمَا أَجِد دِرْهَمًا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي نَاحِيَة بَيْتِي أَرْبَعُونَ أَلْفًا " يَعْنِي الْآن , وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ غَيْره مِنْ الصَّحَابَة كَانَ أَكْثَر مَالًا مِنْهُ كَعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْف , وَاحْتِمَال أَنْ يَكُون أَرَادَ مَا لَقِيَ مِنْ التَّعْذِيب فِي أَوَّل الْإِسْلَام مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ اِتِّسَاع الدُّنْيَا عَلَيْهِ يَكُون ثَوَاب ذَلِكَ التَّعْذِيب , وَكَانَ يُحِبّ أَنْ لَوْ بَقِيَ لَهُ أَجْره مُوَفَّرًا فِي الْآخِرَة , قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مَا فَعَلَ مِنْ الْكَيّ مَعَ وُرُود النَّهْي عَنْهُ , كَمَا قَالَ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ " نُهِينَا عَنْ الْكَيّ فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا " أَخْرَجَهُ قَالَ : وَهَذَا بَعِيد. قُلْت : وَكَذَلِكَ الَّذِي قَبْله , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى حُكْم الْكَيّ قَرِيبًا فِي كِتَاب الطِّبّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله : ( إِنَّ أَصْحَابنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصهُمْ الدُّنْيَا ) زَادَ فِي الرِّقَاق مِنْ طَرِيق يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد " شَيْئًا " أَيْ لَمْ تَنْقُص أُجُورهمْ , بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَجَّلُوهَا فِي الدُّنْيَا بَلْ بَقِيَتْ مُوَفَّرَة لَهُمْ فِي الْآخِرَة , وَكَأَنَّهُ عَنَى بِأَصْحَابِهِ بَعْض الصَّحَابَة مِمَّنْ مَاتَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا مَنْ عَاشَ بَعْده فَإِنَّهُمْ اِتَّسَعَتْ لَهُمْ الْفُتُوح. وَيُؤَيِّدهُ حَدِيثه الْآخَر " هَاجَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَعَ أَجْرنَا عَلَى اللَّه , فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَب بْن عُمَيْر " وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِز وَفِي الْمَغَازِي أَيْضًا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنَى جَمِيع مَنْ مَاتَ قَبْله , وَأَنَّ مَنْ اِتَّسَعَتْ لَهُ الدُّنْيَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ إِمَّا لِكَثْرَةِ إِخْرَاجهمْ الْمَال فِي وُجُوه الْبِرّ , وَكَانَ مَنْ يَحْتَاج إِلَيْهِ إِذْ ذَاكَ كَثِيرًا فَكَانَتْ تَقَع لَهُمْ الْمَوْقِع , ثُمَّ لَمَّا اِتَّسَعَ الْحَال جِدًّا وَشَمَلَ الْعَدْل فِي زَمَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ اسْتَغْنَى النَّاس بِحَيْثُ صَارَ الْغَنِيّ لَا يَجِد مُحْتَاجًا يَضَع بِرّه فِيهِ , وَلِهَذَا قَالَ خَبَّاب : " وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِد لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَاب " أَيْ الْإِنْفَاق فِي الْبُنْيَانِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : أَرَادَ خَبَّاب بِهَذَا الْقَوْل الْمَوْت أَيْ لَا يَجِد لِلْمَالِ الَّذِي أَصَابَهُ إِلَّا وَضَعَهُ فِي الْقَبْر , حَكَاهُ اِبْن التِّين وَرَدَّهُ فَأَصَابَ , وَقَالَ : بَلْ هُوَ عِبَارَة عَمَّا أَصَابُوا مِنْ الْمَال قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ لِأَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فِي هَذَا الْحَدِيث بَعْد قَوْله إِلَّا التُّرَاب " وَكَانَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ " وَيَأْتِي فِي الرِّقَاق نَحْوه بِاخْتِصَارٍ , وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا عَنْ وَكِيع عَنْ إِسْمَاعِيل وَأَوَّله " دَخَلْنَا عَلَى خَبَّاب نَعُودهُ وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ وَقَدْ اِكْتَوَى سَبْعًا " الْحَدِيث. قَوْله : ( وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُو بِالْمَوْتِ لَدَعَوْت بِهِ ) الدُّعَاء بِالْمَوْتِ أَخَصّ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْت , وَكُلّ دُعَاء تَمَنٍّ مِنْ غَيْر عَكْس , فَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة. قَوْله : ( ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّة أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة شُعْبَة تَكْرَار الْمَجِيء , وَهُوَ أَحْفَظ الْجَمِيع فَزِيَادَته مَقْبُولَة , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ قِصَّة بِنَاء الْحَائِط كَانَتْ سَبَب قَوْله أَيْضًا " وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِد لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَاب ". قَوْله : ( إِنَّ الْمُسْلِم لِيُؤْجَر فِي كُلّ شَيْء يُنْفِقهُ إِلَّا فِي شَيْء يَجْعَلهُ فِي هَذَا التُّرَاب ) أَيْ الَّذِي يُوضَع فِي الْبُنْيَان , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَة , وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي آخِر كِتَاب الِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ( تَنْبِيه ) هَكَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْه مَوْقُوفًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عُمَر بْن إِسْمَاعِيل بْن مُجَالِد " حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ بَيَان بْن بِشْر وَإِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد جَمِيعًا عَنْ قَيْس عَنْ أَبِي حَازِم قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى خَبَّاب نَعُودهُ " فَذَكَرَ الْحَدِيث , وَفِيهِ " وَهُوَ يُعَالِج حَائِطًا لَهُ فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْمُسْلِم يُؤْجَر فِي نَفَقَته كُلّهَا إِلَّا مَا يَجْعَلهُ فِي التُّرَاب " وَعُمَر كَذَّبَهُ يَحْيَى بْن مَعِين.