💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) فِي رِوَايَة حُصَيْنٍ " عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد سَمِعْت جَابِرًا " وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْمَغَازِي. قَوْله : ( قَدْ رَأَيْتنِي ) بِضَمِّ التَّاء , وَفِيهِ نَوْع تَجْرِيد. قَوْله : ( وَحَضَرَتْ الْعَصْر ) أَيْ وَقْت صَلَاتهَا , وَالْجُمْلَة حَالِيَّة. قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : حَيّ عَلَى أَهْل الْوُضُوء ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ , وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ " حَيَّ عَلَى الْوُضُوء " بِإِسْقَاطِ لَفْظ " أَهْل " وَهِيَ أَصْوَب , وَقَدْ وُجِّهَتْ عَلَى تَقْدِير ثُبُوتهَا بِأَنْ يَكُون أَهْل بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاء بِحَذْفِ حَرْف النِّدَاء كَأَنَّهُ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْوُضُوء الْمُبَارَك يَا أَهْل الْوُضُوء , كَذَا قَالَ عِيَاض , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَجْرُور بِعَلَى غَيْر مَذْكُور , وَقَالَ غَيْره : الصَّوَاب حَيَّ هَلَّا عَلَى الْوُضُوء الْمُبَارَك , فَتَحَرَّفَ لَفْظ " هَلًا " فَصَارَتْ " أَهْل " وَحُوِّلَتْ عَنْ مَكَانهَا , و " حَيَّ " اِسْم فِعْل لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ , وَتُفْتَح لِسُكُونِ مَا قَبْلهَا مِثْل لَيْتَ وَهَلًا بِتَخْفِيفِ اللَّام وَالتَّنْوِين كَلِمَة اِسْتِعْجَال. قَوْله : ( فَجَعَلْت لَا آلُو ) بِالْمَدِّ وَتَخْفِيف اللَّام الْمَضْمُومَة أَيْ لَا أُقَصِّر , وَالْمُرَاد أَنَّهُ جَعَلَ يَسْتَكْثِر مِنْ شُرْبه مِنْ ذَلِكَ الْمَاء لِأَجْلِ الْبَرَكَة. قَالَ اِبْن بَطَّال : يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا سَرَف وَلَا شَرَه فِي الطَّعَام أَوْ الشَّرَاب الَّذِي تَظْهَر فِيهِ الْبَرَكَة بِالْمُعْجِزَةِ , بَلْ يُسْتَحَبّ الِاسْتِكْثَار مِنْهُ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : فِي تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ يُغْتَفَر فِي الشُّرْب مِنْهُ الْإِكْثَار دُون الْمُعْتَاد الَّذِي وَرَدَ بِاسْتِحْبَابِ جَعْل الثُّلُث لَهُ , وَلِئَلَّا يُظَنّ أَنَّ الشُّرْب مِنْ غَيْر عَطَش مَمْنُوع , فَإِنَّ فِعْل جَابِر مَا ذَكَرَ دَال عَلَى أَنَّ الْحَاجَة إِلَى الْبَرَكَة أَكْثَر مِنْ الْحَاجَة إِلَى الرَّيّ , وَالظَّاهِر اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَمْنُوعًا لَنَهَاهُ. قَوْله : ( فَقُلْت لِجَابِرٍ ) الْقَائِل هُوَ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد رَاوِيه عَنْهُ. قَوْله : ( كَمْ كُنْتُمْ يَوْمئِذٍ ؟ قَالَ : أَلْف وَأَرْبَعمِائَةٍ ) كَذَا لَهُمْ بِالرَّفْعِ , وَالتَّقْدِير نَحْنُ يَوْمئِذٍ أَلْف وَأَرْبَعمِائَةٍ , وَيَجُوز النَّصْب عَلَى خَبَر كَانَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف عَلَى جَابِر فِي عَدَدهمْ يَوْم الْحُدَيْبِيَة فِي " بَاب غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة " مِنْ الْمَغَازِي , وَبَيَّنْت هُنَاكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة كَانَتْ هُنَاكَ , وَتَقَدَّمَ شَيْء مِنْ شَرْح الْمَتْن فِي عَلَامَات النُّبُوَّة. قَوْله : ( تَابَعَهُ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ جَابِر ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح مُخْتَصَرًا " كُنَّا يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةٍ " وَهَذَا الْقَدْر هُوَ مَقْصُوده بِالْمُتَابَعَةِ الْمَذْكُورَة لَا جَمِيع سِيَاق الْحَدِيث. قَوْله : ( وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرو بْن مُرَّة عَنْ سَالِم ) هُوَ اِبْن أَبِي الْجَعْد ( خَمْس عَشْرَة مِائَة ) أَمَّا رِوَايَة حُصَيْنٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي الْمَغَازِي , وَأَمَّا رِوَايَة عَمْرو بْن مُرَّة فَوَصَلَهَا مُسْلِم وَأَحْمَد بِلَفْظِ أَلْف وَخَمْسمِائَةٍ , وَالْجَمْع بَيْن هَذَا الِاخْتِلَاف عَنْ جَابِر أَنَّهُمْ كَانُوا زِيَادَة عَلَى أَلْف وَأَرْبَعمِائَةٍ , فَمَنْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَلْغَى الْكَسْر , وَمَنْ قَالَ أَلْف وَخَمْسمِائَةٍ جَبَرَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْمَغَازِي , وَبَيَان تَوْجِيه مَنْ قَالَ أَلْف وَثَلَثمِائَةٍ , وَلِلَّهِ الْحَمْد. ( خَاتِمَة ) اِشْتَمَلَ كِتَاب الْأَشْرِبَة مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى أَحَد وَتِسْعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا تِسْعَة عَشَر طَرِيقًا وَالْبَاقِي مَوْصُول , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي خَالِص , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي مَالِك وَأَبِي عَامِر فِي الْمَعَازِف , وَحَدِيث اِبْن أَبِي أَوْفَى فِي الْجَرّ الْأَخْضَر , وَحَدِيث أَنَس فِي الْأَقْدَاح لَيْلَة الْإِسْرَاء وَهُوَ مُعَلَّق , وَحَدِيث جَابِر فِي الْكَرْع , وَحَدِيث عَلِيّ فِي الشُّرْب قَائِمًا , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي النَّهْي عَنْ الشُّرْب مِنْ فَم السِّقَاء , وَحَدِيث أَبِي طَلْحَة فِي قَدَح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ أَرْبَعمِائَةِ عَشَر أَثَرًا , وَاَللَّه أَعْلَم.