💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( بِإِيلِيَاء ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَكَسْر اللَّام وَفَتْح التَّحْتَانِيَّة الْخَفِيفَة مَعَ الْمَدّ : هِيَ مَدِينَة بَيْت الْمَقْدِس , وَهُوَ ظَاهِر فِي أَنَّ عَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ وَهُوَ فِي بَيْت الْمَقْدِس , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اللَّيْث الَّتِي تَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا " إِلَى إِيلِيَاء " وَلَيْسَتْ صَرِيحَة فِي ذَلِكَ , لِجَوَازِ أَنْ يُرِيد تَعْيِين لَيْلَة الْإِيتَاء لَا مَحَلّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّة شَرْحه فِي أَوَاخِر الْكَلَام عَلَى حَدِيث الْإِسْرَاء قَبْل الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة. وَقَوْله فِيهِ : " وَلَوْ أَخَذْت الْخَمْر غَوَتْ أُمَّتك " هُوَ مَحَلّ التَّرْجَمَة قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرَ مِنْ الْخَمْر لِأَنَّهُ تَفَرَّسَ أَنَّهَا سَتُحَرَّمُ لِأَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ مُبَاحَة , وَلَا مَانِع مِنْ اِفْتِرَاق مُبَاحَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي أَصْل الْإِبَاحَة فِي أَنَّ أَحَدهمَا سَيُحَرَّمُ وَالْآخَر تَسْتَمِرّ إِبَاحَته. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَفَرَ مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْتَدْ شُرْبهَا فَوَافَقَ بِطَبْعِهِ مَا سَيَقَعُ مِنْ تَحْرِيمهَا بَعْد , حِفْظًا مِنْ اللَّه تَعَالَى لَهُ وَرِعَايَة , وَاخْتَارَ اللَّبَن لِكَوْنِهِ مَأْلُوفًا لَهُ , سَهْلًا طَيِّبًا طَاهِرًا , سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ , سَلِيم الْعَاقِبَة , بِخِلَافِ الْخَمْر فِي جَمِيع ذَلِكَ. وَالْمُرَاد بِالْفِطْرَةِ هُنَا الِاسْتِقَامَة عَلَى الدِّين الْحَقّ. وَفِي الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الْحَمْد عِنْد حُصُول مَا يُحْمَد وَدَفْع مَا يُحْذَر. وَقَوْله : " غَوَتْ أُمَّتك " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَخَذَهُ مِنْ طَرِيق الْفَأْل , أَوْ تَقَدَّمَ عِنْده عِلْم بِتَرَتُّبِ كُلّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ أَظْهَر. قَوْله : ( تَابَعَهُ مَعْمَر وَابْن الْهَادِ وَعُثْمَان بْن عُمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ ) يَعْنِي بِسَنَدِهِ. وَوَقَعَ فِي غَيْر رِوَايَة أَبِي ذَرّ زِيَادَة الزُّبَيْدِيّ مَعَ الْمَذْكُورِينَ بَعْد عُثْمَان بْن عُمَر , فَأَمَّا مُتَابَعَة مَعْمَر فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّف فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء , وَأَوَّل الْحَدِيث ذِكْر مُوسَى وَعِيسَى وَصِفَتهمَا , وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر إِيلِيَاء , وَفِيهِ " اِشْرَبْ أَيّهمَا شِئْت , فَأَخَذْت اللَّبَن فَشَرِبْته ". وَأَمَّا رِوَايَة اِبْن الْهَادِ - وَهُوَ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن الْهَادِ اللَّيْثِيّ يُنْسَب لِجَدِّ أَبِيهِ - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ وَأَبُو عَوَانَة وَالطَّبَرَانِيُّ فِي " الْأَوْسَط " مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْهُ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن بُخْت عَنْ اِبْن شِهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيُّ , قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيد بْن الْهَادِ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب , فَعَلَى هَذَا فَقَدْ سَقَطَ ذِكْر عَبْد الْوَهَّاب مِنْ الْأَصْل بَيْن اِبْن الْهَادِ وَابْن شِهَاب , عَلَى أَنَّ اِبْن الْهَادِ قَدْ رَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ أَحَادِيث غَيْر هَذَا بِغَيْرِ وَاسِطَة , مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْمَائِدَة قَالَ الْبُخَارِيّ فِيهِ " وَقَالَ يَزِيد بْن الْهَادِ عَنْ الزُّهْرِيِّ " فَذَكَرَهُ , وَوَصَلَهُ أَحْمَد وَغَيْره مِنْ طَرِيق اِبْن الْهَادِ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِغَيْرِ وَاسِطَة. وَأَمَّا رِوَايَة الزُّبَيْدِيّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ وَابْن حِبَّان وَالطَّبَرَانِيُّ فِي " مُسْنَد الشَّامِيِّينَ " مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن حَرْب عَنْهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر إِيلِيَاء أَيْضًا. وَأَمَّا رِوَايَة عُثْمَان بْن عُمَر فَوَصَلَهَا " تَمَّام الرَّازِيّ فِي فَوَائِده " مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَر بْن عُثْمَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيّ فِي " الْأَطْرَاف " عَنْ الْحَاكِم أَنَّهُ قَالَ : أَرَادَ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ : " تَابَعَهُ اِبْن الْهَادِ وَعُثْمَان بْن عُمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ " حَدِيث اِبْن الْهَادِ عَنْ عَبْد الْوَهَّاب وَحَدِيث عُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس عَنْ يُونُس كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ. قُلْت : وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ الْحَاكِم وَأَقَرَّهُ الْمِزِّيّ فِي عُثْمَان بْن عُمَر , فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ عُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس الرَّاوِي عَنْ يُونُس بْن يَزِيد , وَلَيْسَ بِهِ , وَإِنَّمَا هُوَ عُثْمَان بْن عُمَر بْن مُوسَى بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر التَّيْمِيّ , وَلَيْسَ لِعُثْمَان بْن عُمَر بْن فَارِس وَلَد اِسْمه عُمَر يَرْوِي عَنْهُ , وَإِنَّمَا هُوَ وَلَد التَّيْمِيِّ كَمَا ذَكَرْته مِنْ " فَوَائِد تَمَّام " وَهُوَ مَدَنِيّ , وَقَدْ ذَكَرَ عُثْمَان الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ عُمَر بْن عُثْمَان بْن عُمَر الْمَدَنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : لَا أَعْرِفهُ وَلَا أَعْرِف أَبَاهُ. قُلْت : وَقَدْ عَرَفَهُمَا غَيْره , وَذَكَرَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار فِي النَّسَب عَنْ عُثْمَان الْمَذْكُور فَقَالَ : إِنَّهُ وَلِيَ قَضَاء الْمَدِينَة فِي زَمَن مَرْوَان بْن مُحَمَّد , ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاء لِلْمَنْصُورِ وَمَاتَ مَعَهُ بِالْعِرَاقِ وَذَكَرَهُ اِبْن حِبَّان فِي الثِّقَات , وَأَكْثَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ ذِكْره فِي " الْعِلَل " عِنْد ذِكْره لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي تَخْتَلِف رُوَاتهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ , وَكَثِيرًا مَا تُرَجَّح رِوَايَته عَنْ الزُّهْرِيّ , وَاَللَّه أَعْلَم.