💡 شرح فتح الباري
حَدِيث الْبَرَاء , أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيق فِرَاس بْن يَحْيَى عَنْ الشَّعْبِيّ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثه قَرِيبًا. قَوْله : ( مَنْ صَلَّى صَلَاتنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتنَا ) الْمُرَاد مَنْ كَانَ عَلَى دِين الْإِسْلَام. قَوْله : ( فَلَا يَذْبَح ) أَيْ الْأُضْحِيَّة ( حَتَّى يَنْصَرِف ) تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيَّة فِي أَنَّ أَوَّل وَقْت الْأُضْحِيَّة قَدْر فَرَاغ الصَّلَاة وَالْخُطْبَة , وَإِنَّمَا شَرَطُوا فَرَاغ الْخَطِيب لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ مَقْصُودَتَانِ مَعَ الصَّلَاة فِي هَذِهِ الْعِبَادَة , فَيُعْتَبَر مِقْدَار الصَّلَاة وَالْخُطْبَتَيْنِ عَلَى أَخَفّ مَا يَجْزِي بَعْد طُلُوع الشَّمْس , فَإِذَا ذَبَحَ بَعْد ذَلِكَ أَجْزَأَهُ الذَّبْح عَنْ الْأُضْحِيَّة , سَوَاء صَلَّى الْعِيد أَمْ لَا , وَسَوَاء ذَبَحَ الْإِمَام أُضْحِيَّته أَمْ لَا , وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَهْل الْمِصْر وَالْحَاضِر وَالْبَادِي وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيّ : لَا تَجُوز أُضْحِيَّة قَبْل أَنْ يَذْبَح الْإِمَام , وَهُوَ مَعْرُوف عَنْ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ لَا الشَّافِعِيّ , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : ظَوَاهِر الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى تَعْلِيق الذَّبْح بِالصَّلَاةِ , لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّافِعِيّ أَنَّ مَنْ لَا صَلَاة عِيد عَلَيْهِ مُخَاطَب بِالتَّضْحِيَةِ حَمَلَ الصَّلَاة عَلَى وَقْتهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَاللَّيْث : لَا ذَبْح قَبْل الصَّلَاة , وَيَجُوز بَعْدهَا وَلَوْ لَمْ يَذْبَح الْإِمَام , وَهُوَ خَالِص بِأَهْلِ الْمِصْر , فَأَمَّا أَهْل الْقُرَى وَالْبَوَادِي فَيَدْخُل وَقْت الْأُضْحِيَّة فِي حَقّهمْ إِذَا طَلَعَ الْفَجْر الثَّانِي. وَقَالَ مَالِك : يَذْبَحُونَ إِذَا نَحَرَ أَقْرَب أَئِمَّة الْقُرَى إِلَيْهِمْ , فَإِنْ نَحَرُوا قَبْل أَجْزَأَهُمْ. وَقَالَ عَطَاء وَرَبِيعَة : يَذْبَح أَهْل الْقُرَى بَعْد طُلُوع الشَّمْس. وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق : إِذَا فَرَغَ الْإِمَام مِنْ الصَّلَاة جَازَتْ الْأُضْحِيَّة , وَهُوَ وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ قَوِيّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل وَإِنْ ضَعَّفَهُ بَعْضهمْ , وَمِثْله قَوْل الثَّوْرِيّ : يَجُوز بَعْد صَلَاة الْإِمَام قَبْل خُطْبَته وَفِي أَثْنَائِهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله " حَتَّى يَنْصَرِف " أَيْ مِنْ الصَّلَاة , كَمَا فِي الرِّوَايَات الْأُخَر. وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق يَزِيد بْن الْبَرَاء عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ " إِنَّمَا الذَّبْح بَعْد الصَّلَاة " وَوَقَعَ فِي حَدِيث جُنْدُب عِنْد مُسْلِم " مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي فَلْيَذْبَح مَكَانهَا أُخْرَى " قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا اللَّفْظ أَظْهَر فِي اِعْتِبَار فِعْل الصَّلَاة مِنْ حَدِيث الْبَرَاء , أَيْ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ " مَنْ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة " قَالَ : لَكِنْ إِنْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِره اِقْتَضَى أَنْ لَا تُجْزِئ الْأُضْحِيَّة فِي حَقّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيد , فَإِنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَد فَهُوَ أَسْعَد النَّاس بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث , وَإِلَّا وَجَبَ الْخُرُوج عَنْ الظَّاهِر فِي هَذِهِ الصُّورَة وَيَبْقَى مَا عَدَاهَا فِي مَحِلّ الْبَحْث. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم فِي رِوَايَة أُخْرَى " قَبْل أَنْ يُصَلِّي أَوْ نُصَلِّي " بِالشَّكِّ قَالَ النَّوَوِيّ : الْأُولَى بِالْيَاءِ وَالثَّانِيَة بِالنُّونِ , وَهُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ " يُصَلِّي " سَاوَى لَفْظ حَدِيث الْبَرَاء فِي تَعْلِيق الْحُكْم بِفِعْلِ الصَّلَاة. قُلْت : وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الْبُخَارِيّ فِي حَدِيث جُنْدُب فِي الذَّبَائِح بِمِثْلِ لَفْظ الْبَرَاء , وَهُوَ خِلَاف مَا يُوهِمهُ سِيَاق صَاحِب الْعُمْدَة , فَإِنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ مُسْلِم , وَهُوَ ظَاهِر فِي اِعْتِبَار فِعْل الصَّلَاة , فَإِنَّ إِطْلَاق لَفْظ الصَّلَاة وَإِرَادَة وَقْتهَا خِلَاف الظَّاهِر , وَأَظْهَر مِنْ ذَلِكَ قَوْله " قَبْل أَنْ نُصَلِّي " بِالنُّونِ , وَكَذَا قَوْله " قَبْل أَنْ نَنْصَرِف " سَوَاء قُلْنَا مِنْ الصَّلَاة أَمْ مِنْ الْخُطْبَة. وَادَّعَى بَعْض الشَّافِعِيَّة أَنَّ مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي فَلْيَذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى " أَيْ بَعْد أَنْ يَتَوَجَّه مِنْ مَكَان هَذَا الْقَوْل , لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ ذَبَحَ قَبْل فِعْل هَذَا مِنْ الصَّلَاة وَالْخُطْبَة فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى , أَيْ لَا يَعْتَدّ بِمَا ذَبَحَهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بِلَفْظِ " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْم النَّحْر بِالْمَدِينَةِ , فَتَقَدَّمَ رِجَال فَنَحَرُوا وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَحَرَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا " قَالَ وَرَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بِلَفْظِ " أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَهَى أَنْ يَذْبَح أَحَد قَبْل الصَّلَاة " وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان. وَيَشْهَد لِذَلِكَ قَوْله فِي حَدِيث الْبَرَاء " إِنَّ أَوَّل مَا نَصْنَع أَنْ نَبْدَأ بِالصَّلَاةِ , ثُمَّ نَرْجِع فَنَنْحَر " فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ وَقْت الذَّبْح يَدْخُل بَعْد فِعْل الصَّلَاة , وَلَا يُشْتَرَط التَّأْخِير إِلَى نَحْر الْإِمَام. وَيُؤَيِّدهُ - مِنْ طَرِيق النَّظَر - أَنَّ الْإِمَام لَوْ لَمْ يَنْحَر لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا عَنْ النَّاس مَشْرُوعِيَّة النَّحْر , وَلَوْ أَنَّ الْإِمَام نَحَرَ قَبْل أَنْ يُصَلِّي لَمْ يُجْزِئهُ نَحْره , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ وَالنَّاس فِي وَقْت الْأُضْحِيَّة سَوَاء. وَقَالَ الْمُهَلَّب : إِنَّمَا كُرِهَ الذَّبْح قَبْل الْإِمَام لِئَلَّا يَشْتَغِل النَّاس بِالذَّبْحِ عَنْ الصَّلَاة. قَوْله : ( فَقَامَ أَبُو بُرْدَة بْن نِيَار فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه فَعَلْت ) أَيْ ذَبَحْت قَبْل الصَّلَاة. وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه " نَسَكْت عَنْ اِبْن لِي " وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. قَوْله : ( هِيَ خَيْر مِنْ مُسِنَّتَيْنِ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِالتَّثْنِيَةِ , وَهِيَ مُبَالَغَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْره " مِنْ مُسِنَّة " بِالْإِفْرَادِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ أَيْضًا. قَوْله : ( قَالَ عَامِر هِيَ خَيْر نَسِيكَتَيْهِ ) كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ , وَفِيهِ ضَمّ الْحَقِيقَة إِلَى الْمَجَاز بِلَفْظٍ وَاحِد , فَإِنَّ النَّسِيكَة , هِيَ الَّتِي أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَهِيَ الثَّانِيَة , وَالْأُولَى لَمْ تُجْزِ عَنْهُ , لَكِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا نَسِيكَة لِأَنَّهُ نَحَرَهَا عَلَى أَنَّهَا نَسِيكَة أَوْ نَحَرَهَا فِي وَقْت النَّسِيكَة , وَإِنَّمَا كَانَتْ خَيْرهمَا لِأَنَّهَا أَجْزَأَتْ عَنْ الْأُضْحِيَّة بِخِلَافِ الْأُولَى , وَفِي الْأُولَى خَيْر فِي الْجُمْلَة بِاعْتِبَارِ الْقَصْد الْجَمِيل , وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه " قَالَ ضَحِّ بِهَا فَإِنَّهَا خَيْر نَسِيكَة " وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن يَعْنِي اِبْن الْقَصَّار أَنَّهُ اِسْتَدَلَّ بِتَسْمِيَتِهَا نَسِيكَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْعهَا وَلَوْ ذُبِحَتْ قَبْل الصَّلَاة , وَلَا يَخْفَى وَجْه الضَّعْف عَلَيْهِ.