💡 شرح فتح الباري
قَوْله فِيهِ ( عَنْ عَبَايَة بْن رِفَاعَة بْن خَدِيج ) كَذَا فِيهِ نُسِبَ رِفَاعَة إِلَى جَدّه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة " رِفَاعَة بْن رَافِع بْن خَدِيج " بِغَيْرِ نَقْص فِيهِ. قَوْله ( فَقَالَ اعْجَلْ أَوْ أَرِنْ ) فِي رِوَايَة كَرِيمَة بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء وَسُكُون النُّون , وَكَذَا ضَبَطَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ , وَفِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِسُكُونِ الرَّاء وَكَسْر النُّون , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه الَّذِي هُنَا " وَأَرِنِي " بِإِثْبَاتِ الْيَاء آخِره , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا حَرْف طَالَمَا اِسْتَثْبَتَ فِيهِ الرُّوَاة , وَسَأَلْت عَنْهُ أَهْل اللُّغَة فَلَمْ أَجِد عِنْدهمْ مَا يَقْطَع بِصِحَّتِهِ , وَقَدْ طَلَبْت لَهُ مَخْرَجًا. فَذَكَرَ أَوْجُهًا : أَحَدهَا أَنْ يَكُون عَلَى الرِّوَايَة بِكَسْرِ الرَّاء مِنْ أَرَانَ الْقَوْم إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ فَيَكُون الْمَعْنَى أَهْلِكْهَا ذَبْحًا. ثَانِيهَا أَنْ يَكُون عَلَى الرِّوَايَة بِسُكُونِ الرَّاء بِوَزْنِ أَعْطِ يَعْنِي انْظُرْ وَأَنْظِرْ وَانْتَظِرْ بِمَعْنًى , قَالَ اللَّه تَعَالَى حِكَايَة عَمَّنْ قَالَ ( اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) أَيْ أَنْظِرُونَا , أَوْ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة بِمَعْنَى أَدِمْ الْحَزّ مِنْ قَوْلك رَنَوْت إِذَا أَدَمْت النَّظَر إِلَى الشَّيْء , وَأَرَادَ أَدِمْ النَّظَر إِلَيْهِ وَرَاعِهِ بِبَصَرِك. ثَالِثهَا أَنْ يَكُون مَهْمُوزًا مِنْ قَوْلك أَرِنَ يَأْرَن إِذَا نَشِطَ وَخَفَّ , كَأَنَّهُ فِعْل أَمْر بِالْإِسْرَاعِ لِئَلَّا يَمُوت خَنْقًا وَرَجَّحَ فِي " شَرْح السُّنَن " هَذَا الْوَجْه الْأَخِير فَقَالَ : صَوَابه أَرْئِنْ بِهَمْزَةٍ وَمَعْنَاهُ خِفَّ وَاعْجَلْ لِئَلَّا تَخْنُقهَا , فَإِنَّ الذَّبْح إِذَا كَانَ بِغَيْرِ الْحَدِيد اِحْتَاجَ صَاحِبه إِلَى خِفَّة يَد وَسُرْعَة فِي إِمْرَار تِلْكَ الْآلَة وَالْإِتْيَان عَلَى الْحُلْقُوم وَالْأَوْدَاج كُلّهَا قَبْل أَنْ تَهْلَك الذَّبِيحَة بِمَا يَنَالهَا مِنْ أَلَم الضَّغْط قَبْل قَطْع مَذَابِحهَا. ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ ذَكَرْت هَذَا الْحَرْف فِي " غَرِيب الْحَدِيث " وَذَكَرْت فِيهِ وُجُوهًا يَحْتَمِلهَا التَّأْوِيل وَكَانَ قَالَ فِيهِ يَجُوز أَنْ تَكُون الْكَلِمَة تَصَحَّفَتْ , وَكَانَ فِي الْأَصْل أَزَزَ بِالزَّايِ مِنْ قَوْلك أَزَزَ الرَّجُل إِصْبَعه إِذَا جَعَلَهَا فِي الشَّيْء , وَأَزَزْت الْجَرَادَة أَزَزًا إِذَا أَدْخَلْت ذَنَبهَا فِي الْأَرْض , وَالْمَعْنَى شُدَّ يَدك عَلَى النَّحْر. وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْوَجْه أَقْرَب الْجَمِيع. قَالَ اِبْن بَطَّال عَرَضْت كَلَام الْخَطَّابِيّ عَلَى بَعْض أَهْل النَّقْد فَقَالَ : أَمَّا أَخْذه مِنْ أَرَانَ الْقَوْم فَمُعْتَرَض لِأَنَّ أَرَانَ لَا يَتَعَدَّى وَإِنَّمَا يُقَال أَرَانَ هُوَ وَلَا يُقَال أَرَانَ الرَّجُل غَنَمه. وَأَمَّا الْوَجْه الَّذِي صَوَّبَهُ فَفِيهِ نَظَر وَكَأَنَّهُ مِنْ جِهَة أَنَّ الرِّوَايَة لَا تُسَاعِدهُ. وَأَمَّا الْوَجْه الَّذِي جَعَلَهُ أَقْرَب الْجَمِيع فَهُوَ أَبْعَدهَا لِعَدَمِ الرِّوَايَة بِهِ. وَقَالَ عِيَاض : ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيّ أَرِنِي فِعْل أَمْر مِنْ الرُّؤْيَة , وَمِثْله فِي مُسْلِم لَكِنْ الرَّاء سَاكِنَة قَالَ : وَأَفَادَنِي بَعْضهمْ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَة فِي " مُسْنَد عَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز " مَضْبُوطَة هَكَذَا أَرِنِي أَوْ اعْجَلْ , فَكَأَنَّ الرَّاوِي شَكَّ فِي أَحَد اللَّفْظَيْنِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد , وَالْمَقْصُود الذَّبْح بِمَا يُسْرِع الْقَطْع وَيُجْرِي الدَّم , وَرَجَّحَ النَّوَوِيّ أَنْ أَرِنْ بِمَعْنَى اعْجَلْ وَأَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَضَبَطَ اعْجَلْ بِكَسْرِ الْجِيم , وَبَعْضهمْ قَالَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ أَرْنِي بِسُكُونِ الرَّاء وَبَعْد النُّون يَاء أَيْ أَحْضِرْنِي الْآلَة الَّتِي تَذْبَح بِهَا لِأَرَاهَا ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَوْ اعْجَلْ , وَأَوْ تَجِيء لِلْإِضْرَابِ فَكَأَنَّهُ قَالَ قَدْ لَا يَتَيَسَّر إِحْضَار الْآلَة فَيَتَأَخَّر الْبَيَان فَعُرِفَ الْحُكْم فَقَالَ اعْجَلْ مَا أَنْهَرَ الدَّم إِلَخْ , قَالَ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْله عَلَى الشَّكّ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة هَلْ هِيَ بِوَزْنِ أَعْطِ أَوْ بِوَزْنِ أَطِعْ أَوْ هِيَ فِعْل أَمْر مِنْ الرُّؤْيَة ؟ فَعَلَى الْأَوَّل الْمَعْنَى أَدِمْ الْحَزّ مِنْ رَنَوْت إِذَا أَدَمْت النَّظَر , وَعَلَى الثَّانِي أُهْلِكهَا ذَبْحًا مِنْ أَرَانَ الْقَوْم إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى , وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى كُنْ ذَا شَاة هَالِكَة إِذَا أَزْهَقْت نَفْسهَا بِكُلِّ مَا أَنْهَرَ الدَّم. قُلْت : وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفه. وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ بِصِيغَةِ فِعْل الْأَمْر فَمَعْنَاهُ أَرِنِي سَيَلَان الدَّم , وَمَنْ سَكَّنَ الرَّاء اِخْتَلَسَ الْحَرَكَة , وَمَنْ حَذَفَ الْيَاء جَازَ , وَقَوْله وَاعْجَلْ بِهَمْزَةِ وَصْل وَفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام فِعْل أَمْر مِنْ الْعَجَلَة أَيْ اِعْجَلْ لَا تَمُوت الذَّبِيحَة خَنْقًا قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِصِيغَةِ أَفْعَل التَّفْضِيل أَيْ لِيَكُنْ الذَّبْح أَعْجَل مَا أَنْهَرَ الدَّم , قُلْت : وَهَذَا وَإِنْ تَمَشَّى عَلَى رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ بِتَقْدِيمِ لَفْظ أَرِنِي عَلَى اعْجَلْ لَمْ يَسْتَقِمْ عَلَى رِوَايَة الْبُخَارِيّ بِتَأْخِيرِهَا , وَجَوَّزَ بَعْضهمْ فِي رِوَايَة أَرْنِ بِسُكُونِ الرَّاء أَنْ يَكُون مِنْ أَرْنَانِي حُسْن مَا رَأَيْته أَيْ حَمَلَنِي عَلَى الرُّنُوّ إِلَيْهِ , وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَحْسِنْ الذَّبْح حَتَّى تُحِبّ أَنْ نَنْظُر إِلَيْك , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث " إِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا " أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَقَدْ سَبَقَتْ مَبَاحِث هَذَا الْحَدِيث مُسْتَوْفَاة قَبْل , وَسِيَاقه هُنَاكَ أَتَمّ مِمَّا هُنَا. وَاَللَّه أَعْلَم.