💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( عَنْ اِبْن شِهَاب ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَخْرَجَهُ أَبُو مُصْعَب فِي " الْمُوَطَّأ " عَنْ مَالِك , وَتَابَعَهُ جَمَاعَة مِنْ الرُّوَاة خَارِج الْمُوَطَّأ , ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَنْ مَالِك " أَنَا الزُّهْرِيُّ " وَمِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَسْمَاء عَنْ مَالِك , وَمِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب " أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي ذِئْب وَمَالِك كِلَاهُمَا عَنْ اِبْن شِهَاب " وَطَرِيق اِبْن وَهْب هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ. قَوْله ( أَنَّ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَخْبَرَهُ ) كَذَا لِأَكْثَر أَصْحَاب الزُّهْرِيِّ , وَخَالَفَهُمْ يُونُس فَقَالَ عَنْهُ " عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الِاعْتِصَام مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْهُ , وَهُوَ مَصِير مِنْ الْبُخَارِيّ إِلَى أَنَّهُ عِنْد الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَة مَعًا , وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى ذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة يَحْيَى بْن الضَّحَّاك عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا , وَقَدْ أَطْلَقَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الْمَحْفُوظ رِوَايَة مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْعَمَل بِالتَّرْجِيحِ , وَأَمَّا طَرِيق الْجَمْع فَهُوَ مَا صَنَعَهُ الْبُخَارِيّ , وَيَتَأَيَّد أَيْضًا بِأَنَّ عَقِيلًا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ " بَلَغْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " فَإِنَّ ذَلِكَ , يُشْعِر بِأَنَّهُ عِنْده عَنْ غَيْر وَاحِد , وَإِلَّا لَوْ كَانَ عَنْ وَاحِد فَقَطْ كَسَعِيدٍ مَثَلًا لَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَوْله ( أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة أَبِي مُصْعَب " جَاءَ أَعْرَابِيّ " وَكَذَا سَيَأْتِي فِي الْحُدُود عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك , وَلِلنَّسَائِيِّ " جَاءَ رَجُل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة " وَكَذَا فِي رِوَايَة أَشْهَب عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِي , وَفِي رِوَايَة اِبْن وَهْب الَّتِي عِنْد أَبِي دَاوُدَ " أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي فَزَارَة " وَكَذَا عِنْد مُسْلِم وَأَصْحَاب السُّنَن مِنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ اِبْن شِهَاب , وَاسْم هَذَا الْأَعْرَابِيّ ضَمْضَم بْن قَتَادَةَ أَخْرَجَ حَدِيثه عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد فِي " الْمُبْهَمَات " لَهُ مِنْ طَرِيق قُطْبَة بِنْت عَمْرو بْن هَرَم أَنَّ مَدْلُوكًا حَدَّثَهَا " أَنَّ ضَمْضَم بْن قَتَادَةَ وُلِدَ لَهُ مَوْلُود أَسْوَد مِنْ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي عِجْل فَشَكَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ لَك مِنْ إِبِل " ؟ قَوْله ( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب " صَرَخَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قَوْله ( فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ اِمْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَد ) لَمْ أَقِف عَلَى اِسْم الْمَرْأَة وَلَا عَلَى اِسْم الْغُلَام , وَزَادَ فِي رِوَايَة يُونُس " وَإِنِّي أَنْكَرْته " أَيْ اِسْتَنْكَرْته بِقَلْبِيِّ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَنْكَرَ كَوْنه اِبْنه بِلِسَانِهِ وَإِلَّا لَكَانَ تَصْرِيحًا بِالنَّفْيِ لَا تَعْرِيضًا , وَوَجْه التَّعْرِيض , أَنَّهُ قَالَ غُلَامًا أَسْوَد أَيْ وَأَنَا أَبْيَض فَكَيْف يَكُون مِنِّي ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم " وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّض بِأَنْ يَنْفِيه " وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ التَّعْرِيض بِالْقَذْفِ لَيْسَ قَذْفًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور , وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيّ بِهَذَا الْحَدِيث لِذَلِكَ , وَعَنْ الْمَالِكِيَّة يَجِب بِهِ الْحَدّ إِذَا كَانَ مَفْهُومًا , وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث بِمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي آخِر شَرْحه. وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : فِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ نَظَر , لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِي لَا يَجِب عَلَيْهِ حَدّ وَلَا تَعْزِير. قُلْت : وَفِي هَذَا الْإِطْلَاق نَظَر , لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَفْتِي بِلَفْظِ لَا يَقْتَضِي الْقَذْف وَبِلَفْظِ يَقْتَضِيه , فَمِنْ الْأَوَّل أَنْ يَقُول مَثَلًا إِذَا كَانَ زَوْج الْمَرْأَة أَبْيَض فَأَتَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَد : مَا الْحُكْم ؟ وَمِنْ الثَّانِي أَنْ يَقُول مَثَلًا : إِنَّ اِمْرَأَتِي أَتَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَد وَأَنَا أَبْيَضُ فَيَكُون تَعْرِيضًا , أَوْ يَزِيد فِيهِ مَثَلًا زَنَتْ فَيَكُون تَصْرِيحًا , وَاَلَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيث الْبَاب هُوَ الثَّانِي فَيَتِمّ الِاسْتِدْلَال. وَقَدْ نَبَّهَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَكْس هَذَا فَقَالَ : لَا يَلْزَم الزَّوْج إِذَا صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَلَد الَّذِي وَضَعَتْهُ اِمْرَأَته لَيْسَ مِنْهُ حَدّ قَذْفه لِجَوَازِ أَنْ يُرِيد أَنَّهَا وُطِئَتْ بِشِهْبَةِ أَوْ وَضَعَتْهُ مِنْ الزَّوْج الَّذِي قَبْله إِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا. قَوْله ( قَالَ : فَمَا أَلْوَانهَا ؟ قَالَ : حُمْر ) فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن مُصْعَب عَنْ مَالِك عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ " قَالَ رُمْكٌ " وَالْأَرْمَك الْأَبْيَض إِلَى حُمْرَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيره فِي شَرْح حَدِيث جَمَل جَابِر فِي الشَّرْط. قَوْله ( فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ) بِوَزْنِ أَحْمَرَ. قَوْله ( إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا ) بِضَمِّ الْوَاو بِوَزْنِ حُمْر , وَالْأَوْرَق الَّذِي فِيهِ سَوَاد لَيْسَ بِحَالِك بَلْ يَمِيل إِلَى الْغَبَرَة , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَمَامَةِ وَرْقَاء. قَوْله ( فَأَنَّى ذَلِكَ ) بِفَتْحِ النُّون الثَّقِيلَة أَيْ مِنْ أَيْنَ أَتَاهَا اللَّوْن الَّذِي خَالَفَهَا , هَلْ هُوَ بِسَبَبِ فَحْل مِنْ غَيْر لَوْنهَا طَرَأَ عَلَيْهَا أَوْ لِأَمْرٍ آخُرَّ ؟. قَوْله ( لَعَلَّ نَزَعَهُ عِرْق ) فِي رِوَايَة كَرِيمَة " لَعَلَّهُ " وَلَا إِشْكَال فِيهَا بِخِلَافِ الْأَوَّل فَجَزَمَ جَمْعٌ بِأَنَّ الصَّوَاب النَّصْب أَيْ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ , وَقَالَ الصَّغَانِيّ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي الْأَصْل " لَعَلَّهُ " فَسَقَطَتْ الْهَاء , وَوَجَّهَهُ اِبْن مَالِك بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ ضَمِير الشَّأْن , وَيُؤَيِّد تَوْجِيهه مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة , وَالْمَعْنَى يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي أُصُولهَا مَا هُوَ بِاللَّوْنِ الْمَذْكُور فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى لَوْنه , وَادَّعَى الدَّاوُدِيّ أَنَّ لَعَلَّ هُنَا لِلتَّحْقِيقِ. قَوْله ( وَلَعَلَّ اِبْنك هَذَا نَزَعَهُ ) كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ بِحَذْفِ الْفَاعِل , وَلِغَيْرِهِ " نَزَعَهُ عِرْق " وَكَذَا فِي سَائِر الرِّوَايَات , وَالْمُرَاد بِالْعِرْقِ الْأَصْل مِنْ النَّسَب شَبَهه بِعِرْقِ الشَّجَرَة , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فُلَان عَرِيق فِي الْأَصَالَة أَيْ أَنَّ أَصْله مُتَنَاسِب , وَكَذَا مُعْرِق فِي الْكَرْم أَوْ اللُّؤْم , وَأَصْل النَّزْع الْجَذْب , وَقَدْ يُطْلَق عَلَى الْمَيْل , وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّة عَبْد اللَّه بْن سَلَام حِين سُئِلَ عَنْ شَبَه الْوَلَد بِأَبِيهِ أَوْ بِأُمِّهِ : نَزَعَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمّه , وَفِي الْحَدِيث ضَرَبَ الْمَثَل , وَتَشْبِيه الْمَجْهُول بِالْمَعْلُومِ تَقْرِيبًا لِفَهْمِ السَّائِل , وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِصِحَّةِ الْعَمَل بِالْقِيَاسِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ أَصْل فِي قِيَاس الشَّبَه. وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقِيَاس وَالِاعْتِبَار بِالنَّظِيرِ ; وَتَوَقَّفَ فِيهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد فَقَالَ : هُوَ تَشْبِيه فِي أَمْر وُجُودِيّ , وَالنِّزَاع إِنَّمَا هُوَ فِي التَّشْبِيه فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مِنْ طَرِيق وَاحِدَة قَوِيَّة. وَفِيهِ أَنَّ الزَّوْج لَا يَجُوز لَهُ الِانْتِفَاء مِنْ وَلَده بِمُجَرَّدِ الظَّنّ , وَأَنَّ الْوَلَد يَلْحَق بِهِ وَلَوْ خَالَفَ لَوْنه لَوْن أُمّه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ تَبَعًا لِابْنِ رُشْد : لَا خِلَاف فِي أَنَّهُ لَا يَحِلّ نَفْي الْوَلَد بِاخْتِلَافِ الْأَلْوَان الْمُتَقَارِبَة كَالْأُدْمَةِ وَالسُّمْرَة , وَلَا فِي الْبَيَاض وَالسَّوَاد إِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّة الِاسْتِبْرَاء , وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبه , وَإِلَّا فَالْخِلَاف ثَابِت عِنْد الشَّافِعِيَّة بِتَفْصِيلِ فَقَالُوا : إِنْ لَمْ يَنْضَمّ إِلَيْهِ قَرِينَة زِنًا لَمْ يَجُزْ النَّفْي , فَإِنْ اِتَّهَمَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ عَلَى لَوْن الرَّجُل الَّذِي اِتَّهَمَهَا بِهِ جَازَ النَّفْي عَلَى الصَّحِيح , وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس الْآتِي فِي اللِّعَان مَا يُقَوِّيه. وَعِنْد الْحَنَابِلَة يَجُوز النَّفْي مَعَ الْقَرِينَة مُطْلَقًا , وَالْخِلَاف إِنَّمَا هُوَ عِنْد عَدَمهَا , وَهُوَ عَكْس تَرْتِيب الْخِلَاف عِنْد الشَّافِعِيَّة. وَفِيهِ تَقْدِيم حُكْم الْفِرَاش عَلَى مَا يُشْعِر بِهِ مُخَالَفَة الشَّبَه. وَفِيهِ الِاحْتِيَاط لِلْأَنْسَابِ وَإِبْقَائِهَا مَعَ الْإِمْكَان , وَالزَّجْر عَنْ تَحْقِيق ظَنّ السُّوء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : يُؤْخَذ مِنْهُ مَنْع التَّسَلْسُل , وَأَنَّ الْحَوَادِث لَا بُدّ لَهَا أَنْ تَسْتَنِد إِلَى أَوَّل لَيْسَ بِحَادِثِ. وَفِيهِ أَنَّ التَّعْرِيض بِالْقَذْفِ لَا يُثْبِت حُكْم الْقَذْف حَتَّى يَقَع التَّصْرِيح خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ , وَأَجَابَ بَعْض الْمَالِكِيَّة أَنَّ التَّعْرِيض الَّذِي يَجِب بِهِ الْقَذْف عِنْدهمْ هُوَ مَا يُفْهَم مِنْهُ الْقَذْف كَمَا يَفْهَم مِنْ التَّصْرِيح , وَهَذَا الْحَدِيث لَا حُجَّة فِيهِ لِدَفْعِ ذَلِكَ , فَإِنَّ الرَّجُل لَمْ يُرِدْ قَذْفًا , بَلْ جَاءَ سَائِلًا مُسْتَفْتِيًا عَنْ الْحُكْم لِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الرِّيبَة , فَلَمَّا ضُرِبَ لَهُ الْمَثَل أَذْعَنَ , وَقَالَ الْمُهَلَّب : التَّعْرِيض إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل السُّؤَال لَا حَدّ فِيهِ , وَإِنَّمَا يَجِب الْحَدّ فِي التَّعْرِيض إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل الْمُوَاجَهَة وَالْمُشَاتَمَة. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ : الْفَرْق بَيْن الزَّوْج وَالْأَجْنَبِيّ فِي التَّعْرِيض أَنَّ الْأَجْنَبِيّ يَقْصِد الْأَذِيَّة الْمَحْضَة , وَالزَّوْج قَدْ يُعْذَر بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِيَانَة النَّسَب , وَاللَّهُ أَعْلَم.